بقي الاكتئاب لفترة طويلة من الزمن حالة طبية يحاول الناس تجنب تشخيصها أو الإعتراف بوجودها. لكن أصبح تشخيص الاكتئاب وعلاجه في يومنا هذا أكثر مقارنة بالعقود الماضية، وذلك لتضائُل السمعة غير الجيدة المرتبطة بهذا المرض، وانتشار الوعي بخطورة هذا المرض وتأثيره السلبي على الشخص والمجتمع. إضافة إلى الوعي بفعالية العلاج وقدرته على مساعدة المريض على تجاوز هذه الحالة المرضية.

فالاكتئاب (بالإنجليزية: Depression) هو مصطلح طبي واسع يشمل كل من اضطراب الاكتئاب الشديد، والاضطراب العاطفي الموسمي، والاكتئاب العرضي، ويمكن أن يكون الاكتئاب علامة لأحد الأمراض النفسية مثل الاضطراب ثنائي القطب، والذُهان. كما يمكن أن يكون الاكتئاب عرضاً لحدوث تغييرات مؤلمة في حياة الشخص مثل وفاة شخص عزيز، أو طلاق، أو غيرها. كما يمكن أن يلعب الاكتئاب دوراً أساسياً في مرحلة بعد الولادة أو خلال الحمل.

من المهم معرفة أنه من الطبيعي أن يشعر الشخص بتعكر المزاج والحزن، حيث يمكن أن يصيب الحزن والأحداث المؤلمة أي شخص، لكن الاكتئاب يختلف عن المرور بحالة مؤقتة من الشعور بالحزن والتعاسة. فالاكتئاب هو حالة طبية خطيرة من الإحساس المستمر بفقدان الرغبة، والأمل، والشعور بالحزن والتعاسة. ويمكن أن تتطور هذه الحالة إلى الأسوأ إذا لم يتم التعامل الصحيح معها وتلقي العلاج المناسب.


مقدار انتشار الاكتئاب

يتم تشخيص الاكتئاب بشكل أكبر في مراكز الرعاية الأولية من قبل الأطباء العامين أو اخصائي الأسرة، وذلك لأن المرضى بشكل عام يلجئون لهم كخيار أولي عند وجود الشكوى. لذلك يتم تقييم انتشار الاكتئاب من خلال مراكز الرعاية الأولية، وبحسب ذلك فإن 5-9% من البالغين يعانون من الاكتئاب، في المقابل 50% من المرضى غير مشخصين.

يصيب الاكتئاب بشكل أكبر الفئة العمرية بين عُمر ال 25-44 عام، ولكن كلما تقدم الشخص في العمر زادت احتمالية إصابته بالإكتئاب وذلك لوجود مشاكل صحية أكثر لديهم، وانتشار أكبر للأمراض المزمنة، إضافة إلى تعرضهم لحوادث مؤلمة بشكل متكرر أكثر، ولا ينحصر انتشار الاكتئاب على البالغين فحسب، حيث يصيب الاكتئاب 0.8-2% من الأطفال، و4.5% من المراهقين.

أسباب حدوث الاكتئاب

إن أكثر النظريات ترجح أن السبب الرئيسي الذي يقف وراء إصابة الإنسان بالاكتئاب هو انخفاض مستوى الناقلات العصبية في الدماغ وأهمها السيروتونين (هرمون السعادة) والنورأدرينالين. والناقلات العصبية هي عبارة عن مواد كيميائية تستخدم لتحقيق الاتصال بين الخلايا العصبية. لذلك نلاحظ أن تناول المريض للأدوية المضادة للاكتئاب (والتي ترفع من مستوى الناقلات العصبية المذكورة سابقاً) يؤدي إلى التخفيف أو القضاء على أعراض الاكتئاب.

كما يمكن أن تؤدي عوامل مختلفة لحدوث الاكتئاب ولكن يمكن أن يحدث الاكتئاب أيضاً بسبب وجود هذه العوامل المساعدة أو عدم وجودها. ولكن كلما زادت هذه العوامل زاد احتمالية إصابة الشخص بالاكتئاب. وتشمل هذه العوامل أسباب بيولوجية لها علاقة أساسية في تكوين الإنسان، وبيولوجية ونفسية، وأسباب أخرى محيطية نتيجة تأثير البيئة الخارجية على الشخص. ومن أشهر هذه الأسباب:

  • وجود تاريخ مرضي عائلي، حيث أن احتمالية إصابة الشخص في الاكتئاب تزداد في حال وجود شخص من العائلة مصاب أو أُصيب في الاكتئاب أو أحد اضطرابات المزاج الأخرى.
  • التعرض لحادث مؤلم أو توتر عالي أو ضغط عصبي، سواء خلال فترة الطفولة إذ يمكن أن تؤثر الأحداث المؤلمة في تلك الفترة على ردود فعل الطفل وتفاعله مع المؤثرات المختلفة. أو حدوث هذه الحوادث في المراحل التالية للطفولة.
  • وجود ظرف صحي، إذ أن هناك ظروف طبية محددة تجعل الشخص معرضاً بشكل أكبر لِيعاني من الاكتئاب مثل وجود مرض مزمن، أو معاناة الشخص من الأرق وقلة النوم المزمن، أو وجود ألم مزمن، أو وجود اضطراب فرط الحركة وضعف الانتباه عند لطفل.
  • تعاطي المخدرات أو شرب الكحول، فبحسب الاحصائيات فإن 21% من الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات يختبرون حدوث الاكتئاب خلال حياتهم.
  • التغيرات الهرمونية، حيث أن الانخفاض المفاجئ لمستوى هرموني الأستروجين والبروجسترون بعد الولادة مباشرة، يؤدي إلى إصابة المرأة الحامل باكتئاب ما بعد الولادة (بالانجليزية: Postpartum Depression). كذلك يلاحظ عند وصول المرأة سن انقطاع الحيض (سن اليأس) انخفاض مستوى الهرمونات المذكورة سابقاً، والذي قد يؤدي بدوره إلى إصابة المرأة بالاكتئاب.

للمزيد: الاضطرابات المزاجية للأم بعد الولادة (الوضع)

توجد أسباب ثانوية أخرى يمكن أن يساعد وجودها بحدوث الاكتئاب، وهي:

  • انعدام الثقة في النفس، أو التعرض للتنمر المستمر والاضطهاد.
  • وجود مشاكل نفسية أخرى مثل القلق المزمن، ومشاكل التغذية مثل فقدان الشهية العصبي.
  • يزداد الاكتئاب في الإناث عموماً مقارنة بالذكور.

اقرأ أيضاً: اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه

هل ترغب في التحدث إلى طبيب نصياً آو هاتفياً؟

ابدأ الآن

أعراض الاكتئاب

يعاني الشخص المصاب بالاكتئاب من الأعراض والعلامات التالية التي تتميز بتكرار حدوثها، واستمرارية وجودها بشكل يومي على مدار أسبوعين على الأقل. هذه الأعراض تختلف عن تقلب المزاج، والحزن العابر التي يمكن أن يمر بها أي منا. كما أن الشخص المصاب بالاكتئاب يمكن أن يختبر مجموعة من الأعراض ويمكن أن يعاني منها جميعها. ومن هذه الأعراض:

  • الشعور بالحزن المستمر والقلق.
  • فقدان الأمل.
  • سرعة العصبية والهيجان.
  • الشعور بالذنب وتقليل قيمة الذات حيث يشعر المريض بأنه لا قيمة له ولوجوده.
  • فقدان الرغبة والمتعة في القيام بالأنشطة والهوايات.
  • الشعور بالإرهاق وانعدام الطاقة.
  • القيام بالأعمال اليومية ببطء شديد مثل التحدث ببطء أو المشي ببطء مع فقدان الدافع والرغبة للقيام بذلك.
  • صعوبة التركيز، والتذكر، وصعوبة اتخاذ القرارات.
  • الأرق ومشاكل النوم مثل الاستيقاظ في وقت مبكر جداً أو النوم لفترات طويلة وعدم الرغبة في الاستيقاظ.
  • تغير في الشهية وتغير في الوزن.
  • تراود المريض أفكار تتعلق بالانتحار والموت، يمكن أن تتطور حد الوصول إلى محاولة الانتحار.
  • الشكوى من وجود ألم أو صداع أو مشاكل في الجهاز الهضمي دون وجود أي مسبب لها، كما تتميز بعدم استجابة هذه الأعراض الجسدية للعلاج. كما أن المريض يزور الطبيب والطوارئ بشكل متكرر لأعراض مختلفة.

مدخل إلى الطب النفسي

أنواع الاكتئاب

يوجد أنواع مختلفة من الاكتئاب تحدث تحت ظروف محددة وتتميز كل منها بأعراض خاصة بها. وهذه الأنواع هي:

  • اضطراب الاكتئاب المستمر (بالإنجليزية: Persistent Depressive Disorder) يعاني مريض اضطراب الاكتئاب المستمر من استمرار تواجد أعراض الاكتئاب على الأقل لعامين. يمكن أن تتفاوت الأعراض بين الاكتئاب الشديد وأعراض أقل حدة، ولكن تتميز باستمرارها لعامين على الأقل ليتم تشخيص هذا النوع من الاكتئاب.
  • الاكتئاب الذهاني، وهو الاكتئاب الذي يترافق مع أعراضه الشديدة وجود أعراض الذهان مثل الوهم (اضطراب يتميز بوجود معتقدات ثابتة خاطئة). أو وجود هلوسات مثل رؤية أو سماع أمور ليست موجودة.
  • الاضطرابات العاطفية الموسمية وتتميز بحدوث الاكتئاب خلال فصل الشتاء عندما تقل الأوقات التي تظهر فيها الشمس، كما تتحسن الأعراض خلال فصلي الربيع والصيف. يترافق الاكتئاب الشتوي مع انعزال المصاب، وزيادة فترات النوم، مع اكتسابه لمزيد من الوزن.
  • اكتئاب ما بعد الولادة حيث تشعر السيدة بحزن شديد وقلق، وتعب، وإرهاق مما يجعل الأم الجديدة لا تستطيع التعامل مع مهماتها الجديدة كأم.
  • اضطراب ثنائي القطب، ليتم تشخيص هذا النوع من الأمراض النفسية فإن المريض يعاني من نوعين مختلفين تماماً من الاضطرابات المزاجية، حيث يمر بفترة اكتئاب شديد وانخفاض في المزاج، يقابلها فترة أخرى من المزاج المرتفع والهوس.

تشخيص الاكتئاب

يتم تشخيص الاكتئاب حسب مجموعة من المعايير والتي تختلف باختلاف نوع الاكتئاب. فالاكتئاب الشديد يتم تشخيصه عند وجود 5 أعراض من أعراض الاكتئاب يعاني منها الشخص أكثر من نصف عدد الأيام لمدة أسبوعين، ويجب أن يكون أحد هذه الأعراض المزاج المكتئب أو فقدان الرغبة والمتعة.

ولكن من المهم قبل تشخيص الاكتئاب البحث عن أسباب عضوية يمكن أن تظهر بنفس الصورة التي يظهر بها مرض الاكتئاب، لذلك يتم إجراء بعض الفحوصات اعتماداً على رأي الطبيب. ومن هذه الفحوصات:

  • فحص الدم الشامل.
  • فحص هرمون الغدة الدرقية.
  • فيتامين ب12.
  • شوارد الدم مثل الكالسيوم، والمغنيسيوم، والفوسفات.
  • مستوى الكرياتين ووظائف الكلى.
  • وظائف الكبد.
  • مستوى الكحول في الجسم.
  • فحص السموم في البول والدم.
  • غازات الدم.
  • الفحوصات المتعلقة بمرض أديسون.
  • صورة للرأس من خلال التصوير المقطعي أو التصوير بالرنين المغناطيسي، باستثناء وجود مشكلة في الدماغ أدت إلى تغير في شخصية المريض أو ظهرت على شكل أعراض تشبه أعراض الاكتئاب.

علاج الاكتئاب

يعتمد علاج الاكتئاب على مجموعة متكاملة من العلاجات، منها تغيير نمط الحياة، والعلاجات الدوائية، والعلاج النفسي. فمن الممكن أن تؤدي الأدوية لوحدها أو العلاج النفسي لوحده نتائج إيجابية في علاج الاكتئاب ولكن تطبيق خطة علاجية متكاملة تشمل الطرق الثلاث يؤدي إلى نسبة أعلى من التحسن لدى مريض الاكتئاب، حيث تتحسن نوعية الحياة، كما يكون التزامه بالعلاج أكبر.

العلاجات الدوائية

يوجد أنواع مختلفة من العلاجات الدوائية التي تعتمد بشكل أساسي على زيادة تركيز الناقل العصبي السيروتونين والذي يرتبط بشكل مباشر بتحسن الأعراض عند مريض الاكتئاب. وعلى الرغم من وجود منافع كثيرة لكل نوع من العلاجات الدوائية إلا أنه في المقابل يوجد أيضاً أثار جانبية مرتبطة بكل دواء.

العلاج النفسي

ينقسم العلاج النفسي لمرض الاكتئاب إلى العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج الشخصي. حيث ثبت كفاءة هذه العلاجات في تحسين الاكتئاب.

العلاج المعرفي السلوكي

العلاج المعرفي السلوكي هو شكل منظم من العلاج الذي يركز على مساعدة المريض على تحديد أنماط التفكير والسلوك غير الملائمة وتعديلها. حيث يحتاج المريض (من 16 إلى 20 جلسة). ويعتمد العلاج المعرفي السلوكي على فرضية أن المرضى الذين يعانون من الاكتئاب يظهرون اضطراب ثلاثي في إدراكهم، والذي يتضمن النظرة السلبية عن أنفسهم والعالم والمستقبل، وبذلك يساعد العلاج المعرفي السلوكي على تحسين هذه النظرة المضطربة.

العلاج الشخصي

يعتمد هذا النوع من العلاج النفسي على التركيز على الصعوبات الشخصية التي يواجهها المريض، والخلافات والتحديات التي تحدث معه على الصعيد الشخصي.

العلاج بالصدمات الكهربائية

العلاج بالصدمات الكهربائية هو علاج فعال بشكل واضح للاكتئاب، حيث يمتاز بسرعة ظهور النتائج مقارنة بالعلاجات الدوائية، وغالبًا ما تظهر النتائج خلال أسبوع واحد من بدء العلاج. فقد يحتاج العلاج بالصدمات الكهربائية (إلى ما يقارب 12 جلسة). كما يتميز العلاج بالصدمات الكهربائية بأنه العلاج الأمثل للمرضى الذين لا يستجيبون للعلاج بالأدوية، أو المصابين بالذهان إضافة إلى الاكتئاب، أو المرضى الذين حاولوا الانتحار. ولكن يجب الوعي بوجود مجموعة من المضاعفات الجانبية الخاصة بهذا النوع من العلاجات.

مسار الاكتئاب المتوقع

يستجيب أكثر من نصف المرضى للعلاج الأولي للاكتئاب، و40% من المرضى يمكن أن يصلوا مرحلة الشفاء الجزئي، ولكن على الرغم من ذلك فإن مضاعفات الاكتئاب تبقى خطيرة ويمكن أن تصل إلى تهديد حياة المريض.

أحد أخطر مضاعفات الاكتئاب هو الانتحار، لذلك من المهم الحرص على تفهم وضع مريض الاكتئاب ومساعدته على الالتزام بالخطة العلاجية.

هل اعاني من الاكتئاب