لاحظ الأطباء مؤخراً زيادة كبيرة في أعداد المرضى الذين يعانون من حالات غامضة تتمثل في نوبات قلق ورعب هائل، ذات مدة قصيرة نسبياً، لكنها مصحوبة بأعراض مرضية مزعجة تدفع المرضى إلى البحث عن العلاج في المستشفيات، وأقسام الطوارئ، وعيادات الأطباء من مختلف التخصصات وأحياناً في غرف الرعاية المركزة.

ويحيط الغموض بهذه الحالات بالنسبة للمرضى وأقاربهم، وكذلك بالنسبة لمعظم الأطباء، حيث يتم تشخيص هذه الحالات على أنها نوبات قلبية، أو حالات عصبية مصحوبة بفقدان الاتزان، أو أمراض عضوية حادة، ويلقي هذا المقال الضوء على هذه الحالات من حيث انتشارها، والأسباب المحتملة لها، والأعراض المصاحبة لهذه النوبات، بالإضافة إلى كيفية التعامل معها والجديد في تشخيص، وعلاج هذا المرض الذي يعتبر من الاضطرابات النفسية الشائعة في العصر الحديث.

نوبات الهلع

ظهر مصطلح اضطراب الهلع (بالإنجليزية:Panic disorder)، ونوبات الهلع (بالإنجليزية: Panic Attacks)، في مراجع الطب النفسي الحديث مؤخراً لوصف حالة مرضية غامضة تصيب نسبة كبيرة من الناس من مختلف الأعمار، وتشبه حالة مرضية كانت تصيب الجنود أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، وهي حالة تتميز بتفاعل القلق والخوف، مع سرعة ضربات القلب، وسرعة التنفس، وضيق الصدر وتكون مصحوبة بحالة أخرى يطلق عليها فوبيا الأماكن العامة (بالإنجليزية: Agoraphobia)؛ وهي حالة نفسية تصيب السيدات غالباً عند التواجد خارج المنازل في الأسواق أو الأماكن العامة.

اقرأ أيضاً: كيف تتخلص من رهاب الخلاء (رهاب الأماكن المفتوحة)؟

هل ترغب في التحدث إلى طبيب نصياً آو هاتفياً؟

ابدأ الآن

وتقدر نسبة الإصابة بنوبات الهلع بعد أن تزايد انتشارها مؤخراً بحوالي 12% لجميع الفئات العمرية، ويعني ذلك وجود ملايين المرضى الذين يعاني معظمهم في صمت ولا يدركون أن المشكلة تتمثل في الإصابة باضطراب نفسي قابل للعلاج، وتزيد نسبة إصابة النساء بنوبات الهلع عن الرجال بمقدار الضعف.

ورغم أن الحالة قد تصيب صغار السن من الأطفال والمراهقين والشباب، وكذلك كبار السن، إلا أن أعلى معدلات لحدوثها هي في سن 25 عاماً، ويتفاوت تكرار هذه النوبات من شخص إلى آخر، وتتسبب هذه الحالات بآثار متفاوتة قد تصل إلى حد الإعاقة الكاملة عند البعض، فلا يمكنهم القيام بأعمالهم أو واجباتهم الأسرية والاجتماعية، وقد تمنع الإصابة الشخص من الخروج من بيته.

أسباب نوبات الهلع

انشغل الأطباء النفسيون كثيراً بالتوصل إلى الأسباب المحتملة لحالات الهلع، والكيفية التي تحدث بها هذه النوبات، وقد بينت الأبحاث الأسباب التالية لحدوث نوبات الهلع:

فحص الكشف عن الإكتئاب

يستعمل هذا الفحص لتحديد نسب لإحتمالية معاناة شخص ما من الإكتئاب, ويعتمد في ذلك على مدى تكرر الشعور بالاكتئاب وانعدام التلذذ خلال الأسبوعيين السابقين للفحص, وإعطاء عدد معين من النفاط لكل حالة.

الشعور بالإكتئاب خلال الأسبوعيين الماضيين
الشعور بفقدان القدرة على الإستمتاع خلال الأسبوعيين الماضيين
×إغلاق

يمكن تقسيم النقاط الناتجة عن هذا الفحص على شكل نسب لاحتمال معاناة الشخص من الاكتئاب كما يلي:
• صفر نقطة: أقل أو يساوي 0.6%.
• نقطة واحدة: أكثر من 0.6%.
• نقطتان: أكثر من 1.3%.
• 3 نقاط: أكثر من 5.4%.
• 4 نقاط: أكثر من 15.7%.
• 5 نقاط: أكثر من 17.9%.
• 6 نقاط: أكثر من 58.1%.
يعتبر الحصول على 3 نقاط في هذا الفحص حداً فاصلاً لتشخيص الاكتئاب، حيث أنّ الحصول على 3 نقاط أو أكثر يعني زيادة احتمالية معاناة الشخص من الاكتئاب.

نتائج العملية الحسابية
مجموع النقاط
  • عوامل نفسية، مثل الضغوط والصدمات ومواقف الحياة الأليمة التي يؤدي التعرض لها إلى حدوث نوبات الهلع، وثبت أن نسبة كبيرة من المرضى الذين يعانون من نوبات الهلع، يملكون تاريخاً مرضياً سابقاً لبعض الصعوبات النفسية التي تتمثل في صدمات، أو مواقف خوف ورعب تعرضوا لها في مراحل العمر السابقة خصوصاً في فترة الطفولة.
  • عوامل بيولوجية، تؤثر على وظائف الجهاز العصبي وكيمياء المخ بما يؤدي في النهاية إلى حدوث هذه النوبات.

درس علماء النفس والأعصاب التغييرات التي تصيب وظائف المخ وكيمياء الجهاز العصبي، والتي تصاحب نوبات الهلع، وتبين أن الجهاز العصبي الذاتي (بالإنجليزية: autonomic nervous system) الذي ينظم بعض وظائف أجهزة الجسم الأخرى، يكون في حالة نشاط زائد مع نوبات الهلع، كما تبين أن كيمياء المخ تتغير بصورة ملحوظة في مرض اضطراب الهلع خصوصاً فيما يتعلق ببعض .الهرمونات والإنزيمات التي تقوم بتنظيم الإيقاع بين خلايا المخ، والتي تسيطر على الانفعالات والسلوك.

وهي النورابنفرين (بالإنجليزية: norepinephrine )، والسيروتونين (بالإنجليزية: Serotonin)، وجابا (بالإنجليزية: GABA)، ولها علاقة مباشرة بنوبات الهلع، كما ترتبط نوبات الهلع بوجود تدلي في صمام القلب الميترالي (بالإنجليزية: mitral valve prolapse)، وتغيرات في الجهاز العصبي تم الكشف عنها عن طريق الفحص بالأشعة المغناطيسية.

أعراض نوبات الهلع

عادة ما يبدو المريض طبيعياً إلى حد كبير بين النوبات، وتحدث النوبة فجأة وبصورة تلقائية في أي مكان، وتتصاعد حدة الأعراض لتصل إلى ذروتها خلال 10 دقائق، ورغم أن النوبة لا تستمر سوى 20- 30 دقيقة في المتوسط، ولا تزيد مدتها عن ساعة، فإن المريض يشعر بها كأنها وقت طويل، وتتمثل الأعراض الرئيسية للنوبة فيما يلي:

  • شعور هائل بالخوف والرعب دون أن يعرف المريض مصدراً ذلك الخوف.
  • خفقان وسرعة في ضربات القلب لدرجة تجعل الشخص يعتقد أنه أصيب بنوبة قلبية حادة.
  • تصبب العرق، ورجفة في كل الجسم.
  • الًابة بالغثيان، والدوخة، وآلام في الصدر، وتنميل في الجسم والأطراف، ويصاحب ذلك شعور بعدم الاتزان.
  • ينتاب المريض إحساس بالاختناق، وشعور هائل بالخوف من احتمال الموت.
  • صعوبة بالغة في الكلام، واضطراب في الذاكرة، وتحرك الشخص من مكانه بحثاً عن مخرج من حالة الهلع، وقد يصاب الشخص بالإغماء أثناء النوبة باحتمال 20%.

علاج حالات الهلع

من المهم التركيز على أن هذه الحالات لا تمثل مرضاً عضوياً، ولا يجب اللجوء إلى الأطباء من مختلف التخصصات وإجراء الكثير من الفحوص المخبرية، والخطوات غير الضرورية التي تهدر الكثير من طاقة المريض وجهده، ولا بد على المريض وأقاربه الحفاظ على بالهدوء في مواجهة هذه الحالات، والتخلي عن المخاوف والأوهام التي تصور أنها مقدمة لمرض عضوي أو عقلي خطير، فالأمر ليس كذلك، ولا داعي للقلق.

ويجرب علاج حالات الهلع بعدة طرق أهمها العلاج بالأدوية النفسية، مثل المهدئات والعقاقير المضادة للاكتئاب، وقد ظهر جيل جديد من الأدوية التي تؤثر في تركيز مادة السيروتونين يؤدي إلى نتائج إيجابية سريعة عند استخدامه، لكن الصبر مطلوب لحدوث استجابة جيدة حيث يتطلب ذلك 8 – 12 أسبوعاً حتى تتوقف النوبات، ويجب المواظبة على الدواء لضمان عدم عودة الأعراض لهذه الحالة المزمنة، حيث يحدث ذلك في نسبة 60% من الحالات بعد التحسن، ويتم العلاج الدوائي تحت إشراف الطب النفسي لاختيار الأدوية المناسبة بأقل آثار جانبية ممكنة.

الوسواس القهري.. اضطراب واسع الانتشار

من أساليب العلاج الأخرى استخدام الوسائل النفسية عن طريق جلسات العلاج النفسي (بالإنجليزية: Psychotherapy) الفردية والجماعية للمريض وأسرته، والتدريب على الاسترخاء والتعرض لبعض المواقف للتغلب على الأعراض، وما تسببه من صعوبات أسرية واجتماعية، وقد يتم استخدام كل الأساليب العلاجية الدوائية والنفسية في نفس الوقت لتحقيق تحسن سريع ومنع كل المضاعفات المحتملة.