هل يمكن معرفة استجابة جسمك للقاح قبل أخذه؟ تشير دراسة جديدة نشرتها مجلة (Cell Press Blue) إلى أن هذا الأمر قد يحدث في المستقبل، بعدما تمكن باحثون من جامعة ولاية أريزونا (ASU) بالتعاون مع مؤسسات طبية وبحثية أخرى من تحديد أنماط معينة من الأجسام المضادة الموجودة في الدم قبل التطعيم، واستخدموا الذكاء الاصطناعي لتحليلها والتنبؤ بمن قد يكوّن استجابة مناعية قوية ومن قد تكون استجابته أضعف.
اختلاف الاستجابة للقاحات دفع الباحثين للبحث عن مؤشرات مسبقة
رغم أن اللقاحات توفر حماية من الأمراض الخطيرة لدى كثير من الأشخاص، فإن قوة الاستجابة المناعية التي تنتج عنها قد تختلف بصورة كبيرة من شخص إلى آخر. وتتأثر الاستجابة للقاحات بعوامل متعددة، من بينها العمر والجنس والعوامل الوراثية والأمراض السابقة والحالة الصحية العامة. كما يكون الأشخاص الذين يعانون من حالات أو يتلقون علاجات تضعف جهاز المناعة أكثر عرضة لضعف الاستجابة للقاحات.
لكن الباحثين أشاروا إلى أن الحالة الصحية وحدها لا تكفي للتنبؤ بدقة باستجابة الشخص؛ إذ إن بعض الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة قد يكوّنون استجابة قوية، بينما أظهر نحو 5- 6% من المشاركين الأصحاء استجابة ضعيفة للقاح.
تحليل أكثر من 8 آلاف عينة دم
بحث الفريق عن مؤشرات يمكن أن تكشف مدى استعداد الجهاز المناعي قبل التطعيم، بدلًا من انتظار معرفة الاستجابة بعد الحصول على اللقاح. وحلل الباحثون 8,687 عينة من 4,089 مشاركًا، شملت أشخاصًا أصحاء وآخرين يعانون من أمراض أو حالات وعلاجات مرتبطة بتثبيط المناعة، ومنها:
- فيروس نقص المناعة البشرية (HIV).
- الورم النقوي المتعدد.
- الأورام الصلبة.
- أمراض المناعة الذاتية.
- مرض التهاب الأمعاء.
- زراعة الأعضاء.
وقاس الباحثون الأجسام المضادة التي تتعرف على 185 مستضدًا، شملت أهدافًا مرتبطة بفيروسات وبكتيريا شائعة، إضافة إلى أهداف مرتبطة بأمراض المناعة الذاتية.
أجسام مضادة حارسة قد تكشف جاهزية المناعة
لفتت بعض الأجسام المضادة الموجودة في الدم قبل التطعيم انتباه الباحثين، إذ ارتبطت المستويات الأعلى من الأجسام المضادة الموجهة ضد ميكروبات شائعة، منها المكورات العنقودية الذهبية (Staphylococcus aureus) والفيروس المخلوي التنفسي (RSV) وفيروس نظير الإنفلونزا البشري 3 (human respirovirus 3)، باستجابة أقوى للقاحات كوفيد-19.
وأطلق الباحثون على هذه الأجسام المضادة اسم الأجسام المضادة الحارسة (Sentinel antibodies)، لأنها قد تعمل كمؤشرات على مدى جاهزية الجهاز المناعي الأساسي للاستجابة، ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه الأجسام المضادة تهاجم هدف اللقاح مباشرة، بل قد تعكس حالة الجزء المسؤول عن إنتاج الأجسام المضادة من الجهاز المناعي ومدى استعداده لإطلاق استجابة فعالة.
الذكاء الاصطناعي يبحث عن البصمة المناعية الكاملة
لم يكتفِ الباحثون بدراسة عدد محدود من المؤشرات المناعية، بل استخدموا نموذجًا للتعلم العميق لتحليل الأنماط الموجودة عبر مجموعة الأجسام المضادة بأكملها. وتكمن أهمية هذا الأسلوب في قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي على تحليل أعداد هائلة من البيانات البيولوجية والبحث عن علاقات دقيقة قد يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية.
وتشير النتائج إلى أن فهم استعداد الجسم للاستجابة للقاح قد لا يعتمد على جسم مضاد واحد أو مؤشر واحد، بل ربما يتطلب النظر إلى الجهاز المناعي باعتباره شبكة مترابطة من الإشارات.
البصمة المناعية قد تفتح الباب أمام لقاحات أكثر فعالية
يرى الباحثون أن هذه الطريقة قد تحمل مستقبلًا إمكانات تتجاوز لقاحات كوفيد-19، إذا أكدت الدراسات اللاحقة النتائج وامتدت إلى أنواع أخرى من اللقاحات. وقد يساعد تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للاستجابة الضعيفة للقاحات مستقبلًا في معرفة من قد يحتاج إلى جرعات إضافية أو متابعة أكثر دقة أو استراتيجيات حماية أخرى.
كما يمكن أن تساعد هذه الطريقة الباحثين على فهم سبب تكوين بعض الأشخاص استجابة مناعية قوية بعد التطعيم، بينما تكون الاستجابة لدى آخرين أضعف، حتى عندما لا توجد بينهم اختلافات صحية واضحة.
النتائج لا تعني أن الذكاء الاصطناعي يستطيع حاليًا تحديد استجابة كل شخص
رغم أهمية النتائج، فإن الدراسة تشير إلى إمكانات مستقبلية وليست إلى اختبار سريري متاح حاليًا يمكنه تحديد استجابة الشخص للقاح قبل تلقيه. ويحتاج هذا النهج إلى تأكيد نتائجه في دراسات مستقبلية، وتوسيعه ليشمل لقاحات أخرى، قبل معرفة مدى إمكانية استخدامه فعليًا في الرعاية الطبية.
وفي حال تأكدت النتائج، فقد تمثل هذه التقنية خطوة نحو نهج أكثر تخصيصًا للتطعيم، بحيث لا يعتمد تقييم الاستجابة المناعية على الحالة الصحية العامة فقط، بل يأخذ في الاعتبار مدى الجاهزية المناعية الفردية لكل شخص.