ارتبط بروتين تاو (Tau) لسنوات طويلة بمرض ألزهايمر وفقدان الذاكرة، ولكن دراسة جديدة تكشف جانبًا مختلفًا تمامًا من قصته. فقد توصل باحثون إلى أن هذا البروتين لا يقتصر دوره على الارتباط بتلف الدماغ، بل يؤدي وظيفة أساسية في تثبيت الذكريات طويلة الأمد ومساعدة الدماغ على الاحتفاظ بها. ويأمل العلماء أن يفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة لفهم أسباب فقدان الذاكرة وتطوير علاجات أكثر فاعلية لمرض الزهايمر في المستقبل.
وجه آخر لبروتين تاو يفاجئ العلماء
اشتهر بروتين تاو (Tau) بارتباطه بمرض ألزهايمر، إذ يؤدي تراكمه بصورة غير طبيعية داخل خلايا الدماغ إلى تلف الخلايا العصبية واضطرابات الذاكرة. لكن الدراسة الجديدة كشفت أن لهذا البروتين وظيفة طبيعية وأساسية في الدماغ، تتمثل في المساعدة على تثبيت الذكريات الجديدة وتحويلها إلى ذكريات طويلة الأمد.
ولاحظ الباحثون أن بروتين تاو ليس ضروريًا لاكتساب المعلومات الجديدة أو تذكرها خلال فترة قصيرة، لكنه يصبح عنصرًا أساسيًا في المرحلة التي يحول فيها الدماغ هذه المعلومات إلى ذكريات مستقرة يمكن الاحتفاظ بها واسترجاعها لاحقًا، مما يشير إلى أنه يؤدي دورًا مهمًا في ترسيخ الذاكرة على المدى الطويل.
كيف يساعد بروتين تاو الدماغ على حفظ الذكريات؟
اعتمد الباحثون على تجارب أُجريت على الفئران لدراسة ما يُعرف بـالذاكرة البعيدة، وهي الذكريات التي يمكن استرجاعها بعد مرور أيام أو أسابيع على حدوث التجربة. وركزت الدراسة على مجموعة متخصصة من الخلايا العصبية تُسمى خلايا الإنغرام (Engram cells)، وهي الخلايا التي تحتفظ بالأثر العصبي للذكريات داخل الدماغ.
وأظهرت النتائج أن بروتين تاو ينشط خلال مرحلة حاسمة من تكوين الذاكرة، وهي المرحلة التي يحدد فيها الدماغ أي الخلايا ستُخزن التجربة. ويبدو أن هذا البروتين يساعد على تنظيم هذه العملية، مما يضمن تكوين ذكريات أكثر ثباتًا واستقرارًا وقابلة للاسترجاع مع مرور الوقت.
كيف يقلل بروتين تاو ضوضاء الدماغ؟
أظهرت الدراسة أن بروتين تاو يساعد على تنظيم النشاط العصبي أثناء تكوين الذكريات، إذ يقلل الإشارات العصبية العشوائية داخل الدماغ، مما يسمح لمجموعة محددة من خلايا الإنغرام فقط بالمشاركة في تخزين التجربة، بدلًا من تنشيط عدد كبير من الخلايا دون حاجة.
كما اكتشف الباحثون أن البروتين يخضع خلال عملية التعلم لتغير كيميائي طبيعي يُعرف بالفسفرة (Phosphorylation)، وهي آلية تساعد على تنسيق نشاط الخلايا العصبية المسؤولة عن حفظ الذكريات.
ويؤكد الباحثون أن هذه الفسفرة الطبيعية تختلف عن الفسفرة غير الطبيعية التي تحدث في مرض ألزهايمر، والتي تؤدي إلى تراكم بروتين تاو بصورة ضارة داخل الخلايا العصبية، وترتبط بتلفها واضطرابات الذاكرة.
لماذا يفقد مرضى ألزهايمر ذكرياتهم؟
توصل الباحثون إلى ملاحظة لافتة، إذ تشير النتائج إلى أن الذكريات قد تظل مخزنة داخل الدماغ حتى عند غياب بروتين تاو، إلا أن الدماغ يصبح أقل قدرة على استرجاعها عبر الإشارات الطبيعية، مثل الأصوات أو الصور أو الروائح المرتبطة بها.
كما أظهرت الدراسة أن ظهور الأشكال غير الطبيعية من بروتين تاو أثناء تكوين الذكريات يعرقل تكوين ذكريات جديدة، في حين أن ظهورها بعد ترسيخ الذكريات يجعل استعادتها لاحقًا أكثر صعوبة.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تقدم تفسيرًا جديدًا لمشكلات الذاكرة في مرض ألزهايمر، إذ ربما لا يعود السبب إلى فقدان الذكريات نفسها، بل إلى اضطراب الآليات التي يستخدمها الدماغ لتنظيمها والوصول إليها عند الحاجة.
اكتشاف قد يغيّر نظرة العلماء إلى ألزهايمر
يرى الباحثون أن بروتين تاو لا ينبغي النظر إليه على أنه مجرد بروتين يرتبط بمرض ألزهايمر، بل إنه يؤدي دورًا أساسيًا في الآليات الطبيعية التي يعتمد عليها الدماغ لتكوين الذكريات طويلة الأمد والحفاظ عليها.
ومع ذلك، يشدد الفريق على أن هذه النتائج تستند إلى تجارب أُجريت على الفئران، لذلك لا يمكن تطبيقها مباشرة على البشر في الوقت الحالي. لكنهم يعتقدون أنها تقدم رؤى مهمة قد تساعد في فهم أسباب فقدان الذاكرة بصورة أعمق، وتمهد الطريق لتطوير دراسات وعلاجات جديدة تستهدف مرض الزهايمر وأنواع الخرف الأخرى في المستقبل.