مع تزايد موجات الحر هذا الصيف، لم تعد درجات الحرارة المرتفعة تُشكّل مصدر إزعاج أو خطرًا على الصحة فقط، بل قد تؤثر على الجسم بطريقة غير متوقعة، حيث كشفت دراسة حديثة أنّ التعرض المتكرر لموجات الحر قد يرتبط بتسارع الشيخوخة البيولوجية، فلماذا قد تسرع موجات الحر الشيخوخة؟ وما علاقة ذلك بالساعة البيولوجية للجسم؟
دراسة لمعرفة تأثير موجات الحر على العمر البيولوجي
حلل باحثون من الصين بيانات أكثر من 2300 بالغ لدراسة العلاقة بين التعرض لموجات الحر وتسارع الشيخوخة البيولوجية. ولقياس العمر البيولوجي، استخدم الباحثون نموذجًا علميًا يجمع ثمانية مؤشرات صحية، من بينها ضغط الدم، الكوليسترول، سكر الدم، مؤشرات وظائف الكلى وأحد مؤشرات الالتهاب في الجسم.
ومن خلال مقارنة العمر البيولوجي بالعمر الزمني، تمكن الباحثون من تحديد ما إذا كان الجسم يتقدم في العمر بوتيرة أسرع من المتوقع.
كل موجة حر قد تسرّع شيخوخة الجسم
أظهرت الدراسة أن التعرض المتكرر لموجات الحر ارتبط بتسارع واضح في الشيخوخة البيولوجية، وبحسب النتائج، فإنّ كل تعرض إضافي لموجة حر شديدة يرتبط بتقدم الساعة البيولوجية للجسم بما يقارب نصف عام في المتوسط، إلا أن حجم هذا التأثير اختلف تبعًا للطريقة المستخدمة لتعريف موجة الحر؛ إذ كان التأثير أقل وضوحًا عند استخدام تعريفات أقل شدة.
كما كشفت النتائج أن كل يوم إضافي يقضيه الشخص معرضًا لدرجات حرارة شديدة ارتبط بزيادة تدريجية في تسارع الشيخوخة البيولوجية، مما يشير إلى أن تكرار التعرض وطول مدته قد يزيدان من هذا التأثير.
من هم الأكثر تأثرًا بموجات الحر؟
لم يكن تأثير موجات الحر متساويًا بين جميع المشاركين؛ إذ ظهرت مؤشرات تدل على تسارع الشيخوخة البيولوجية بصورة أكبر لدى الفئات الآتية:
- الأشخاص الذين يزيد مؤشر كتلة الجسم لديهم على 23 كغ/م².
- الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الجنوبية وشبه الاستوائية.
- سكان المدن مقارنة بسكان المناطق الريفية.
ويرى الباحثون أن المدن تحتفظ بالحرارة لفترات أطول بسبب ما يُعرف بظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية؛ حيث تمتص المباني والطرق الحرارة وتطلقها ببطء، خاصة خلال الليل، مما يزيد العبء الحراري على الجسم.
كيف تؤثر الحرارة على شيخوخة الجسم؟
لم تقتصر الدراسة على رصد العلاقة بين الحرارة والشيخوخة، بل سعت أيضًا إلى فهم الآليات المحتملة وراء هذا الارتباط. فقد لاحظ الباحثون أن التعرض لموجات الحر ارتبط بارتفاع مستويات الكوليسترول الكلي والهيموغلوبين السكري (HbA1c)، وهو مؤشر يعكس متوسط مستويات السكر في الدم خلال الأشهر الثلاثة السابقة.
كما أظهرت تحليلات إضافية أُجريت على بيانات من تجارب حيوانية أن التعرض المتكرر للحرارة قد يؤثر في الجينات المرتبطة باستقلاب الدهون وتنظيم سكر الدم، وهي عمليات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصحة الخلايا والشيخوخة البيولوجية، وأشار الباحثون إلى أن الإجهاد الحراري قد يؤدي إلى اضطراب إنتاج الطاقة داخل الخلايا، وزيادة الإجهاد التأكسدي، وإضعاف بعض الآليات المسؤولة عن الحفاظ على سلامة البروتينات، وهي تغيرات يُعتقد أنها قد تسهم في تسارع الشيخوخة.
أكثر من 50% من المشاركين أظهروا علامات شيخوخة أسرع
وفي دراسة حللت بيانات جمعت بين عامي 2011- 2015، لاحظ الباحثون أنّ نحو 58.8% من المشاركين كانت لديهم شيخوخة بيولوجية أسرع من المتوقع مقارنة بأعمارهم الحقيقية. كما ارتفع متوسط العمر البيولوجي للمشاركين خلال فترة المتابعة من 57.3 عامًا إلى 62.3 عامًا، مع استمرار ارتباط التعرض لموجات الحر بتسارع الشيخوخة حتى بعد أخذ عوامل أخرى بعين الاعتبار، مثل:
- التدخين.
- شرب الكحول.
- الاكتئاب.
- ارتفاع ضغط الدم.
- السكري.
- تقلبات الوزن.
ما الذي تعنيه هذه النتائج؟
يشير الباحثون إلى أن هذه الدراسة لا تثبت أن موجات الحر تسبب الشيخوخة البيولوجية بشكل مباشر، ولكنها تقدم أدلة قوية على وجود ارتباط بين التعرض المتكرر للحرارة الشديدة وتسارع التغيرات المرتبطة بتقدم الجسم في العمر.
ومع ازدياد موجات الحر نتيجة تغير المناخ، يرى الباحثون أن الحد من التعرض للحرارة، خاصة لدى كبار السن والفئات الأكثر عرضة للخطر، قد يصبح جزءًا مهمًا من استراتيجيات الحفاظ على الصحة والحد من التأثيرات طويلة المدى للحرارة على الجسم.