يبدو أنّ تأثير ضغط العمل على حالتك النفسية والجسدية لا يختفي بعد انتهاء ساعات الدوام، بل قد يستمر ليلًا ليحرمك الراحة ويؤثر على جودة نومك حتى لو نمت لعدد كاف من الساعات، هذا ما كشفته دراسة نشرتها مجلة (Scientific Reports)، ضمن مشروع يهدف إلى فهم تأثير بيئة العمل على صحة الموظفين مع التقدم في العمر.
دراسة تبحث تأثير بيئة العمل على أنماط النوم لعام
تابع باحثون من جامعة إدنبرة 45 عاملًا تتراوح أعمارهم بين 50- 66 عامًا لمدة سنة كاملة، وهي فترة تعتبر طويلة نسبيًا مقارنة بالعديد من الدراسات التي ركزت على العلاقة بين النوم والعمل. وشملت الدراسة مشاركين من أربعة مجالات مختلفة، هي التصنيع، والرعاية الاجتماعية، والقطاع المالي، والعمل الحر.
وللحصول على صورة دقيقة، استخدم الباحثون طريقتين لتقييم النوم والصحة النفسية؛ إذ اعتمدوا على استبيانات دورية لقياس جودة النوم، والتوتر المرتبط بالعمل، والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية، إلى جانب أجهزة استشعار تُرتدى على المعصم لرصد أنماط النوم والحركة أثناء الليل. وخلال فترة الدراسة، جمع الفريق أكثر من 1900 استجابة من الاستبيانات، إضافة إلى أكثر من 5200 يوم من بيانات أجهزة تتبع النوم.
المشكلة لم تكن قلة النوم فقط
أظهرت النتائج أن معظم المشاركين كانوا يشكون من مشكلات في النوم وفق الاستبيانات، ولكن بيانات أجهزة تتبع النوم كشفت مفاجأة؛ إذ تبين أن غالبيتهم كانوا ينامون نحو 7- 8 ساعات كل ليلة، وهي مدة تُعد كافية لدى كثير من البالغين.
لكن المشكلة لم تكن في مدة النوم، بل في جودته. فقد كان المشاركون يستيقظون عدة مرات خلال الليل أو يقضون وقتًا أطول في نوم متقطع وغير مستقر، مما يقلل من فائدة النوم رغم الحصول على عدد مناسب من الساعات، وأشار الباحثون إلى أن تكرار الاستيقاظ أثناء الليل واضطراب النوم المستمر قد يكونان أكثر تأثيرًا في الصحة من قلة ساعات النوم وحدها.
ضغط العمل يحرمك النوم حتى بعد انتهاء الدوام
أظهرت نتائج الدراسة أن اختلال التوازن بين العمل والحياة الشخصية كان أكثر العوامل ارتباطًا بتراجع جودة النوم والصحة العامة، فالأشخاص الذين شعروا بأن ضغط العمل يستمر بعد انتهاء الدوام كانوا أكثر عرضة لمشكلات النوم، وسجلوا مستويات أقل من الرفاهية والصحة النفسية، كما ارتبط التوتر والانزعاج الناتجان عن العمل بتراجع الصحة النفسية، في حين كان الشعور بأن ضغط العمل يعيق النوم من أقوى العوامل المرتبطة باضطرابات النوم.
ولاحظ الباحثون أيضًا أن الأشخاص الذين يواصلون العمل حتى وقت متأخر من الليل، خاصة بعد الساعة العاشرة مساءً، كانوا أكثر ميلًا للنوم بعد منتصف الليل، كما أظهرت بياناتهم نومًا أكثر اضطرابًا وحركةً أثناء الليل، وهو ما يشير إلى انخفاض استقرار وجودة النوم.
لماذا قد يكون النوم المتقطع أكثر ضررًا؟
يرى الباحثون أن فوائد النوم لا تعتمد على عدد ساعات التي يقضيها الشخص في سريره فحسب، بل تتأثر بجودة النوم ومدى شعوره بالراحة، وأظهرت بيانات أجهزة التتبع أن الأشخاص الذين كانت أنماط نومهم تتغير كثيرًا من ليلة إلى أخرى كانت صحتهم الجسدية والنفسية أسوأ من الأشخاص الذين ينامون بانتظام.
بمعنى آخر، قد يكون النوم المنتظم كل ليلة، حتى لو لم يكن مثاليًا، أفضل للصحة من النوم الجيد أحيانًا والنوم المتقطع أو المضطرب في ليالٍ أخرى بسبب ضغط العمل.
هل اختلفت النتائج بين الرجال والنساء؟
عند تحليل البيانات حسب الجنس، لاحظ الباحثون وجود اختلاف بين ما أبلغ عنه المشاركون وبين ما سجلته أجهزة تتبع النوم. فقد ذكرت النساء أنهن يعانين من مشكلات في النوم أكثر من الرجال، لكن بيانات أجهزة التتبع أظهرت أنهن ينمن لفترات أطول ويعانين اضطرابات أقل أثناء النوم مقارنة بالرجال.
في المقابل، كان الرجال أكثر نشاطًا بدنيًا خلال النهار، لكنهم ناموا لساعات أقل واستيقظوا مرات أكثر خلال الليل. ومع ذلك، شدد الباحثون على أن صغر عدد المشاركين في الدراسة يعني أن هذه النتائج تحتاج إلى دراسات أكبر للتأكد منها.
التوازن بين العمل والحياة الخاصة قد يكون الحل للنوم براحة
تشير النتائج إلى أن تحسين النوم لا يعتمد دائمًا على تغيير عادات النوم فقط، بل قد يحتاج أيضًا إلى معالجة الأسباب التي تؤثر فيه، ومنها ضغط العمل. ويؤكد الباحثون أن توفير بيئة عمل صحية، وتقليل الضغط المستمر، ومساعدة الموظفين على الحفاظ على حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، قد يكون له دور مهم في حماية النوم والصحة العامة مع التقدم في العمر.
ومع ذلك، تبقى هذه الدراسة محدودة بسبب صغر عدد المشاركين، لذلك هناك حاجة إلى أبحاث أكبر لفهم العلاقة بين ظروف العمل واضطرابات النوم بشكل أكثر دقة.