قد تكون سرعة مشيك مؤشرًا على صحة دماغك. فقد كشفت دراسة جديدة نشرتها مجلة (Neurology) أن كبار السن الذين يحافظون على وتيرة مشي أسرع يتمتعون بوظائف معرفية أفضل، كما كانوا أقل عرضة للإصابة بالتدهور المعرفي مقارنة بمن يمشون ببطء. ويشير الباحثون إلى أن هذا المؤشر البسيط قد يساعد مستقبلًا في التعرف المبكر إلى الأشخاص الأكثر عرضة لتراجع القدرات العقلية.
دراسة ضخمة تكشف العلاقة بين المشي وصحة الدماغ
اعتمد الباحثون على تحليل بيانات آلاف المشاركين من ثلاث قواعد بيانات بحثية كبرى، شملت دراسة شبكة الدراسات الدولية للصحة والتقاعد (HRS-INS)، ودراسة LonGenity، ومشروع Rush Memory and Aging Project.
وقارن الفريق بين الأشخاص ذوي سرعة المشي المرتفعة وأولئك الذين يمشون بوتيرة أبطأ، مستعينًا بمجموعة من التقييمات، تضمنت اختبارات الذاكرة والوظائف المعرفية، وفحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي لتقييم بنية الدماغ، إضافة إلى تحليل أنسجة الدماغ بعد الوفاة لدى بعض المشاركين للكشف عن التغيرات المرتبطة بالخرف.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يمشون بسرعة كانوا أقل عرضة للإصابة بالتدهور المعرفي بنسبة تقارب 50% مقارنة بأقرانهم، كما أنّ سرعة المشي لم ترتبط فقط بأداء معرفي أفضل، بل ارتبطت أيضًا بمؤشرات تدل على صحة دماغية أفضل، مما يعزز احتمال استخدامها كمؤشر مبكر على سلامة وظائف الدماغ لدى كبار السن.
المشي ليس مجرد حركة... بل اختبار لصحة الدماغ
رغم أن المشي يبدو نشاطًا بسيطًا، فإنه يعتمد في الواقع على تنسيق دقيق بين الدماغ والجهاز العصبي والعضلات. فالحفاظ على سرعة مشي ثابتة يتطلب قدرة الدماغ على تنظيم التوازن، والتخطيط للحركة، ومعالجة الإشارات الحسية باستمرار.
لذلك، يرى الباحثون أن انخفاض سرعة المشي قد يكون من أولى العلامات التي تشير إلى تراجع كفاءة بعض الوظائف المرتبطة بالشيخوخة، حتى قبل ظهور أعراض واضحة، مثل ضعف الذاكرة أو التراجع المعرفي.
وتدعم هذه الفكرة دراسات سابقة أظهرت أن بطء المشي يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف، والسكتة الدماغية، والسقوط، والضعف الجسدي لدى كبار السن، مما يجعله مؤشرًا مهمًا يستحق المتابعة.
هل المشي السريع يحمي من الخرف؟
رغم النتائج الواعدة، يشدد الباحثون على أن الدراسة لا تثبت أن المشي بسرعة أكبر يمنع الإصابة بالخرف بشكل مباشر، لأنها دراسة رصدية تقتصر على رصد العلاقة بين سرعة المشي وصحة الدماغ، ولا يمكنها إثبات السبب والنتيجة.
ويشير الباحثون إلى أن سرعة المشي قد تعكس الحالة الصحية العامة، فالأشخاص الذين يتمتعون بصحة أفضل قد يكونون أكثر قدرة على الحفاظ على وتيرة مشي أسرع، وليس بالضرورة أن تكون سرعة المشي نفسها هي العامل المسؤول عن حماية الدماغ.
كما أوضح الفريق أن الهدف من هذه النتائج ليس استخدام سرعة المشي لتشخيص الخرف، وإنما الاستفادة منها كمؤشر بسيط وسهل التطبيق قد يساعد على التعرف إلى الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى تقييم ومتابعة إضافية لوظائفهم المعرفية.
الخلاصة: سرعة المشي قد تصبح مؤشرًا بسيطًا لصحة الدماغ
يرى الباحثون أن قياس سرعة المشي قد يمثل وسيلة بسيطة ومنخفضة التكلفة للمساعدة في تقييم صحة الدماغ لدى كبار السن، إذ يمكن إجراؤه خلال دقائق ودون الحاجة إلى أجهزة أو فحوصات معقدة.
وفي الوقت نفسه، يؤكد الخبراء أن الحفاظ على صحة الدماغ لا يعتمد على عامل واحد، بل يتطلب اتباع نمط حياة صحي يشمل ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتمارين القوة واللياقة، والسيطرة على عوامل الخطر مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري، إلى جانب الحصول على نوم كافٍ واتباع نظام غذائي متوازن.
وتضيف هذه الدراسة دليلًا جديدًا على أن طريقة المشي لا تعكس اللياقة البدنية فحسب، بل قد تقدم أيضًا مؤشرات مبكرة عن صحة الدماغ وقدرته على مقاومة التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر.