إذا كنت تمارس الرياضة بهدف تحسين نومك، فقد لا تكون المسألة مرتبطة بممارسة أي نشاط بدني فحسب، بل بنوع التمرين وشدته ومدة ممارسته وعدد جلساته أسبوعيًا. فقد توصل تحليل علمي حديث إلى أن اليوغا عالية الشدة قد تكون من أكثر أشكال التمارين فاعلية في تحسين جودة النوم لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات النوم.
دراسة تقارن أنواعًا مختلفة من التمارين
أجرى باحثون من جامعة هاربين الرياضية في الصين تحليلًا شبكيًا تلويًا، وهو نوع من التحليلات الإحصائية يسمح بمقارنة عدة تدخلات علاجية أو سلوكية في وقت واحد، حتى عندما لا تكون جميع هذه التدخلات قد قورنت مباشرة ببعضها في التجارب الأصلية. ونُشرت الدراسة في مجلة (Sleep and Biological Rhythms)، وشملت مراجعة 30 تجربة عشوائية ضمت ما مجموعه 2576 مشاركًا يعانون اضطرابات في النوم. وبحث الباحثون في قواعد بيانات علمية رئيسية، من بينها PubMed وWeb of Science وCochrane وEmbase وScopus، حتى 30 سبتمبر/أيلول 2024.
وقارن التحليل تأثير مجموعة من الأنشطة البدنية في جودة النوم، شملت:
- اليوغا.
- المشي.
- تمارين المقاومة.
- التمارين المركبة.
- الرقص.
- التمارين الصينية التقليدية مثل تاي تشي وتشي غونغ.
- التمارين الهوائية.
اليوغا تتصدر الترتيب
عند مقارنة أنواع النشاط البدني المختلفة، تصدرت اليوغا الترتيب من حيث احتمال تحسين جودة النوم، تلتها رياضة المشي ثم تمارين المقاومة. ووفق المقياس الإحصائي الذي استخدمه الباحثون لترتيب التدخلات، سجلت اليوغا 82.1%، مقارنة بـ81.2% للمشي و66.3% لتمارين المقاومة. وجاءت بعدها التمارين المركبة، ثم الرقص والتمارين الصينية التقليدية، في حين احتلت التمارين الهوائية المرتبة الأخيرة بين الأنشطة التي شملها التحليل.
وقد تكمن أفضلية اليوغا في أنها لا تعتمد على الحركة الجسدية وحدها، بل تجمع بين الحركة والتنفس المنظم والتركيز على وضعية الجسم، وهي عناصر قد تساعد على تهدئة الاستجابة للتوتر وتعزيز الاسترخاء؛ إذ يُعتقد أن التنفس البطيء والمنظم قد ينشط الجهاز العصبي نظير الودي المرتبط بحالة الراحة والاسترخاء، بينما تساهم ممارسة النشاط البدني بانتظام في تحسين استجابة الجسم للضغط النفسي.
كما قد يكون المجهود العضلي الذي تتضمنه بعض أنواع اليوغا جزءًا من تفسير هذه النتائج، خاصةً أن تمارين المقاومة جاءت أيضًا ضمن الأنشطة الأعلى ترتيبًا في تحسين جودة النوم.
وصفة رياضية من 30 دقيقة مرتين أسبوعيًا
لم يكتفِ الباحثون بتحديد نوع التمرين الأفضل لتحسين جودة النوم، بل حاولوا أيضًا معرفة التكرار والمدة والشدة الأكثر ارتباطًا بالفائدة. وأظهر التحليل أن النمط الأعلى ترتيبًا جمع بين الآتي:
- نوع التمرين: اليوغا.
- التكرار: مرتان أسبوعيًا.
- مدة الجلسة: 30 دقيقة أو أقل.
- مدة البرنامج: 8 إلى 10 أسابيع.
- الشدة: عالية.
وعند النظر إلى كل عامل على حدة، سجلت الشدة العالية 90.3% في مقياس الترتيب المستخدم في التحليل، بينما سجلت ممارسة التمارين مرتين أسبوعيًا 83.3%، والجلسات التي تستمر 30 دقيقة أو أقل 85.1%. أما الاستمرار على البرنامج لمدة 8 إلى 10 أسابيع فسجل أعلى ترتيب بين الفترات التي تمت مقارنتها، بنسبة 92%.
كما وجد الباحثون أن اليوغا حققت تحسنًا أكبر في جودة النوم مقارنة بالتمارين الهوائية بفارق ذي دلالة إحصائية، ما يعزز تصدرها ترتيب أنواع النشاط البدني التي شملها التحليل.
كما أظهر التحليل أن اليوغا كان لها تأثير أفضل بصورة ذات دلالة إحصائية مقارنة بالتمارين الهوائية، وهو ما يدعم النتيجة التي وضعت اليوغا في مقدمة الأنشطة التي تمت دراستها.
اليوغا عالية الشدة تختلف عن غيرها
قد يبدو مصطلح اليوغا عالية الشدة متناقضًا مع الصورة التقليدية لليوغا باعتبارها نشاطًا بطيئًا يركز على الاسترخاء، لكن المقصود هنا هو أن بعض أنماط اليوغا يمكن أن تكون أكثر تطلبًا من الناحية البدنية. وتعتمد هذه الأنماط على الانتقال بوتيرة أسرع بين الوضعيات، واستخدام وزن الجسم كمقاومة، وإشراك مجموعات عضلية متعددة، ما يرفع معدل ضربات القلب ويزيد الجهد العضلي.
ومن المهم الانتباه إلى أن الدراسة لم تكن اختبارًا لتطبيق واحد محدد من اليوغا يمكن اعتباره أفضل نوع لجميع الأشخاص، وإنما حللت بيانات الدراسات المتاحة وصنفت اليوغا ضمن متغيرات التمرين المختلفة. لذلك لا يمكن اعتبار النتيجة وصفة علاجية إلزامية أو دليلًا على أن كل جلسة يوغا عالية الشدة ستؤدي إلى النتيجة نفسها.
المشي وتمارين المقاومة خياراتٌ ذكية أيضًا
لم تكن اليوغا النشاط الوحيد المرتبط بتحسن النوم. فقد جاء المشي في المرتبة الثانية في ترتيب أنواع التمارين، كما احتلت تمارين المقاومة المرتبة الثالثة. وأظهر التحليل أن كليهما قد يكون خيارًا مفيدًا للأشخاص الذين لا يفضلون اليوغا أو لا يستطيعون ممارستها.
كيف تختلف هذه النتائج عن الأبحاث السابقة؟
لا تتفق هذه النتائج بالكامل مع جميع الأبحاث السابقة حول العلاقة بين الرياضة والنوم. فقد أشارت مراجعات أخرى إلى فوائد التمارين الهوائية أو التمارين متوسطة الشدة في تحسين اضطرابات النوم، كما وجدت دراسات منفصلة فوائد لأنشطة مثل تاي تشي والبيلاتس واليوغا.
وقد يكون أحد أسباب اختلاف النتائج أن التمارين نفسها ليست موحدة دائمًا؛ فاليوغا مثلًا تختلف بدرجة كبيرة في شدتها ومدتها وتقنياتها، كما يمكن أن يختلف برنامج المشي أو تمارين المقاومة بصورة كبيرة من دراسة إلى أخرى، ولهذا السبب، فإن مقارنة اليوغا بالتمارين الهوائية قد لا تكون كافية وحدها؛ إذ ينبغي معرفة شدة كل نشاط ومدته وتكراره وطريقة تطبيقه.
تاي تشي يدخل المنافسة وفوائد للنوم قد تستمر لشهور
لا تقتصر الأدلة حول فوائد التمارين التي تجمع بين الحركة والتركيز الذهني والتنفس على اليوغا؛ إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن تاي تشي (Tai Chi) قد يكون له أيضًا دور في تخفيف أعراض الأرق، ففي تجربة عشوائية نُشرت في مجلة The BMJ، قارن الباحثون بين ممارسة تاي تشي والعلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I)، الذي يُعد العلاج غير الدوائي الموصى به كخيار أول للأرق المزمن. وشملت الدراسة 200 شخص بعمر 50 عامًا فأكثر يعانون من الأرق المزمن، خضعوا إما لبرنامج تاي تشي أو للعلاج السلوكي المعرفي لمدة 3 أشهر.
وفي الفترة الأولى بعد انتهاء التدخل، كان العلاج السلوكي المعرفي أكثر فاعلية في تخفيف أعراض الأرق. لكن الصورة تغيرت مع المتابعة؛ فبعد 15 شهرًا، كان التحسن مع تاي تشي مشابهًا للتحسن المسجل مع العلاج السلوكي المعرفي.
وتضيف هذه النتائج دليلًا على أن الأنشطة التي تجمع بين الحركة والتنفس والتركيز الذهني قد توفر فوائد طويلة المدى لبعض الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات النوم. ومع ذلك، لا تعني النتائج أن تاي تشي أو غيره من التمارين يمكن أن يحل محل العلاج المتخصص للأرق، خاصةً في الحالات المزمنة أو الشديدة.
الخلاصة: التمرين ليس علاجًا وحيدًا لجميع اضطرابات النوم
يؤكد الباحثون ضرورة تفسير النتائج بحذر؛ فالدراسة اعتمدت على 30 تجربة فقط، وكانت هناك اختلافات بين الدراسات في خصائص المشاركين وبرامج التمارين وطرق قياس النوم. كما أن التحليل ركز على جودة النوم لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات النوم، ولا يعني ذلك أن اليوغا عالية الشدة هي العلاج الأفضل لكل نوع من اضطرابات النوم، أو أنها تتفوق على العلاجات الطبية المثبتة في حالات مثل الأرق المزمن أو انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم.
ويحتاج الأشخاص الذين يعانون الشخير الشديد أو انقطاع التنفس أثناء النوم أو النعاس المفرط خلال النهار أو الأرق المستمر الذي يؤثر في حياتهم اليومية إلى تقييم السبب الأساسي بدل الاعتماد على الرياضة وحدها.