قد تحمل القهوة الصباحية مفاجأة جديدة تتجاوز قدرتها على زيادة اليقظة والنشاط؛ إذ كشفت دراسة حديثة أن الإكثار من تناول القهوة ارتبط بارتفاع مستويات هرمون التستوستيرون لدى الرجال في منتصف العمر، فهل هذا يعني أنّ القهوة ترفع التستوستيرون بشكل مباشر؟ وما الذي يعنيه ذلك للرجال؟
دراسة فنلندية واسعة تكشف تفاصيل العلاقة بين القهوة والهرمونات
حلل الباحثون بيانات 2264 شخصًا يبلغون من العمر نحو 46 عامًا، وكان الرجال يشكلون 47% من المشاركين. وجاءت البيانات من متابعة عمر 46 عامًا ضمن Northern Finland Birth Cohort 1966، وهي دراسة سكانية واسعة في فنلندا.
واستبعد الباحثون الأشخاص الذين لم تتوفر لديهم معلومات كافية عن استهلاك القهوة، وكذلك من تناولوا الشاي ضمن العينة النهائية، ثم قسموا المشاركين بحسب كمية القهوة التي اعتادوا تناولها يوميًا إلى أربع مجموعات:
- أشخاص لا يشربون القهوة.
- شاربو القهوة بكميات منخفضة؛ أي كوب إلى كوبين يوميًا.
- شاربو القهوة بكميات متوسطة؛ أي 3 إلى 4 أكواب يوميًا.
- شاربو القهوة بكميات مرتفعة؛ أي 5 أكواب أو أكثر يوميًا.
وكانت القهوة المفلترة هي النوع الأكثر شيوعًا بين المشاركين. كما خضع المشاركون لفحوص شملت قياس دهون الجسم، وكتلة العضلات، وسكر الدم، والإنسولين، والكوليسترول، وضغط الدم، إضافة إلى مجموعة من الهرمونات الجنسية.
كلما زادت القهوة ارتفع التستوستيرون
كان الارتباط بين القهوة وهرمون التستوستيرون لدى الرجال من أبرز نتائج الدراسة؛ إذ لاحظ الباحثون أن مستويات التستوستيرون الكلي ارتفعت تدريجيًا مع زيادة كمية القهوة المستهلكة يوميًا، وكانت المستويات أعلى بشكل واضح لدى الرجال الذين شربوا 3-4 أكواب يوميًا، وكذلك لدى من تناولوا 5 أكواب أو أكثر، مقارنة بمن لم يشربوا القهوة. كما سجل أصحاب الاستهلاك الأعلى مستويات أكبر مقارنة بمن تناولوا كميات منخفضة أو متوسطة.
وظل هذا الارتباط قائمًا حتى بعد أخذ عوامل قد تؤثر في الهرمونات في الاعتبار، مثل مؤشر كتلة الجسم والتدخين والنشاط البدني وشرب الكحول.
وفي التحليل، ارتبط كل كوب إضافي يوميًا بارتفاع التستوستيرون الكلي بنحو 0.29 نانومول/لتر. لكن هذا لا يعني أن شرب كوب إضافي سيرفع التستوستيرون بهذه النسبة لدى كل الرجال؛ فالنتائج تُظهر ارتباطًا إحصائيًا ولا تثبت أن القهوة هي السبب المباشر في الارتفاع.
المفاجأة: التستوستيرون الكلي ارتفع.. لكن الحر انخفض
رغم ارتباط شرب المزيد من القهوة بارتفاع التستوستيرون الكلي لدى الرجال، فإن النتائج كشفت صورة هرمونية أكثر تعقيدًا. فقد ارتفع أيضًا التستوستيرون المتاح حيويًا، إلى جانب ارتفاع مستويات الغلوبيولين الرابط للهرمونات الجنسية (SHBG)، وهو بروتين يرتبط بالهرمونات الجنسية وينقلها عبر الدم.
لكن المفاجأة أن زيادة استهلاك القهوة ارتبطت في الوقت نفسه بانخفاض التستوستيرون الحر ومؤشر الأندروجينات الحرة (FAI).
وبالتالي، لا يمكن اختصار النتائج بالقول إن شرب المزيد من القهوة يعني وجود كمية أكبر من التستوستيرون النشط في الجسم؛ فقد ارتفعت بعض أشكال الهرمون ومؤشراته، بينما انخفضت أخرى، ما يشير إلى أن العلاقة بين القهوة وهرمونات الذكورة أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع التستوستيرون.
تأثير القهوة على الهرمونات اختلف بين الرجال والنساء
لم يظهر الارتباط نفسه لدى النساء. فقد ارتبط استهلاك القهوة لديهن بارتفاع مستويات (SHBG) وانخفاض التستوستيرون الحر ومؤشر الأندروجينات الحرة، لكن الباحثين لم يجدوا ارتباطًا واضحًا بين كمية القهوة ومستويات التستوستيرون الكلي أو التستوستيرون المتاح حيويًا. وبذلك بدت العلاقة بين القهوة والهرمونات مختلفة بوضوح بين الرجال والنساء، وهو ما دفع الباحثين إلى التأكيد على وجود نمط هرموني مرتبط بالجنس.
علاقة أخرى بسكر الدم ومقاومة الإنسولين
وجدت الدراسة أيضًا أن الأشخاص الذين تناولوا كميات أكبر من القهوة لديهم مستويات أقل من بعض الأحماض الأمينية متفرعة السلسلة، المعروفة اختصارًا باسم BCAAs. وترتبط المستويات المرتفعة من هذه الأحماض الأمينية في أبحاث سابقة بمقاومة الإنسولين وزيادة خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، لكن الدراسة الحالية لم تختبر ما إذا كان المشاركون قد أصيبوا بالسكري بالفعل. وفي الرجال تحديدًا، ارتبط استهلاك القهوة المرتفع بمؤشرات بدت أكثر ملاءمة من ناحية سكر الدم والإنسولين، إلا أن هذه النتائج تمثل ارتباطات إحصائية ولا تثبت أن القهوة تمنع السكري أو تحسن حساسية الإنسولين بشكل مباشر.
هل تصبح القهوة وسيلة لرفع هرمون الذكورة؟
لا، فرغم النتائج اللافتة، لا تثبت الدراسة أن القهوة ترفع هرمون التستوستيرون بشكل مباشر، كما لا تعني أن زيادة شربها يمكن أن تكون علاجًا لانخفاض مستوياته. فالنتائج أظهرت ارتباطًا بين استهلاك القهوة وبعض التغيرات الهرمونية والأيضية، لكنها لا تستطيع إثبات أن القهوة هي السبب وراءها.
ولا يزال الباحثون بحاجة إلى دراسات أطول وتجارب سريرية مضبوطة لمعرفة ما إذا كان هذا الارتباط حقيقيًا، وما إذا كان يعود إلى الكافيين أو إلى مركبات أخرى موجودة في القهوة، لذلك، لا تعد هذه النتائج سببًا لزيادة استهلاك القهوة بهدف رفع التستوستيرون، لكنها تفتح بابًا جديدًا لفهم تأثير القهوة في الهرمونات وصحة الجسم.