هل يمكن إجبار الخلايا السرطانية على تدمير نفسها بدلًا من مجرد إيقاف نموها؟ هذا ما حاولت دراسة حديثة تجربته، وكشفت النتائج التي نشرتها مجلة (Oncotarget) عن مركبات تجريبية نجحت في دفع خلايا سرطان البنكرياس إلى الموت المبرمج عبر آلية غير متوقعة، كما حدّت من قدرتها على الحركة والانتشار. ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يمهد لتطوير علاجات جديدة تستهدف أحد أكثر أنواع السرطان عدوانية!
مركبات جديدة تستهدف نقطة ضعف في سرطان البنكرياس
ركز باحثون من كلية الصيدلة والعلوم الصيدلانية ومعهد الصحة العامة بجامعة فلوريدا الزراعية والميكانيكية على خلايا سرطان البنكرياس التي تحمل طفرات في جين KRAS، وهو أحد أكثر الجينات ارتباطًا بنمو هذا النوع من السرطان وانتشاره.
واختبر الفريق مجموعة من المركبات التجريبية تُعرف باسم PCAIs، والتي صُممت لاستهداف الإشارات غير الطبيعية التي تنتجها بروتينات KRAS داخل الخلايا السرطانية.
ولم يقتصر التقييم على معرفة ما إذا كانت هذه المركبات تقلل نمو الخلايا السرطانية، بل شمل أيضًا دراسة تأثيرها في بقاء الخلايا على قيد الحياة، وقدرتها على الحركة والانتشار، وغزو الأنسجة المحيطة، إضافة إلى مسارات الإشارات الخلوية التي تدعم نمو الورم، وللاقتراب أكثر من ظروف الأورام الحقيقية، اختبر الباحثون هذه المركبات أيضًا باستخدام نماذج ثلاثية الأبعاد للأورام، والتي توفر بيئة أكثر واقعية من زراعة الخلايا التقليدية.
كيف اختبر العلماء المركبات الجديدة؟
اختبر الباحثون مجموعة من المركبات التجريبية تُعرف باسم PCAIs، صُممت لاستهداف الإشارات غير الطبيعية التي تنتجها بروتينات بروتينات KRAS داخل الخلايا السرطانية.
وقيّم الفريق تأثير هذه المركبات في عدة جوانب، شملت قدرة الخلايا السرطانية على البقاء والتكاثر، والحركة، وغزو الأنسجة المحيطة، إضافة إلى تأثيرها في مسارات الإشارات الخلوية التي تغذي نمو الورم.
وللتأكد من النتائج في بيئة أقرب إلى الواقع، استخدم الباحثون أيضًا نماذج ثلاثية الأبعاد للأورام، والتي تحاكي خصائص الأورام داخل الجسم بصورة أفضل من مزارع الخلايا التقليدية.
مركب تجريبي يحد من انتشار سرطان البنكرياس
أظهرت الدراسة أن أحد المركبات التجريبية، المعروف باسم NSL-YHJ-2-27، حقق أفضل النتائج بين جميع المركبات التي خضعت للاختبار. فلم يقتصر تأثيره على إضعاف الخلايا السرطانية، بل نجح أيضًا في الحد بشكل كبير من قدرتها على الحركة.
واللافت للانتباه أن كمية صغيرة جدًا من المركب كانت كافية لإبطاء حركة أكثر من 90% من خلايا سرطان البنكرياس، وهو ما قد يمثل خطوة مهمة نحو الحد من انتشار الورم، مع ضرورة التأكيد أن هذه النتائج ما تزال في المرحلة قبل السريرية.
آلية غير متوقعة تدفع الخلايا السرطانية إلى تدمير نفسها
كان الاكتشاف الأبرز في الدراسة هو الكشف عن آلية غير متوقعة للقضاء على الخلايا السرطانية. فبينما تعتمد معظم العلاجات الحديثة على تثبيط مسارات الإشارات التي تساعد الورم على النمو، أظهرت النتائج أن مركبات PCAIs حققت تأثيرها بطريقة مختلفة تمامًا.
فقد أدت هذه المركبات إلى تنشيط مفرط لمسارين رئيسيين مرتبطين بنمو الخلايا السرطانية، هما MAPKK وPI3K/AKT. ورغم أن هذين المسارين يسهمان عادةً في تعزيز نمو الورم، فإن تنشيطهما بدرجة مفرطة تسبب في إحداث اضطراب شديد داخل الخلايا، ما أدى إلى انهيار وظائفها وانتهى ببدء الموت المبرمج للخلايا السرطانية.
دلائل واضحة على موت الخلايا السرطانية
دعمت نتائج الدراسة آلية عمل المركبات التجريبية، إذ رصد الباحثون مجموعة من التغيرات البيولوجية التي تؤكد بدء الموت المبرمج للخلايا السرطانية.
وشملت هذه التغيرات زيادة إنتاج الجذور الحرة (Reactive Oxygen Species)، وتنشيط إنزيمات الكاسباز المسؤولة عن إطلاق عملية الموت الخلوي، إلى جانب ارتفاع مستويات بروتين BAX، الذي يؤدي دورًا رئيسيًا في تحفيز هذه العملية.
كما أظهرت النتائج حدوث موت مبرمج واسع النطاق في الخلايا السرطانية، إضافة إلى اضطراب في الهيكل الداخلي للخلايا، ما أفقدها شكلها الطبيعي وقلّل قدرتها على الحركة والانتشار.
تغيرات جينية تعيق نمو الورم وانتشاره
لم تقتصر تأثيرات المركبات التجريبية على قتل الخلايا السرطانية، بل امتدت أيضًا إلى تغيير النشاط الجيني داخلها. فقد أظهرت التحليلات ارتفاع نشاط عدد من الجينات المعروفة بدورها في كبح نمو الأورام، في مقابل انخفاض نشاط جينات ترتبط بتطور السرطان وانتشاره إلى أجزاء أخرى من الجسم.
كما دعمت التجارب التي أُجريت باستخدام نماذج الأورام ثلاثية الأبعاد هذه النتائج، إذ أظهرت أن المركبات ساهمت في تفكيك الكتل الورمية، والحد من قدرتها على غزو الأنسجة المحيطة، إلى جانب زيادة عدد الخلايا التي دخلت في مرحلة الموت المبرمج.
ما الخطوة التالية بعد هذه النتائج؟
رغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن هذه المركبات لا تزال في مرحلة البحث قبل السريري، إذ اقتصرت التجارب حتى الآن على خلايا سرطانية ونماذج مخبرية، ولم تبدأ الدراسات السريرية على البشر بعد.
ويشير الفريق إلى أن اعتماد هذه المركبات كعلاج لسرطان البنكرياس يتطلب إجراء المزيد من الأبحاث والتجارب السريرية للتأكد من سلامتها وفعاليتها، وتحديد الجرعات المناسبة قبل استخدامها في الممارسة الطبية.