لأكثر من أربعة عقود، اعتقد العلماء أنّ الارتفاع الطبيعي في مؤشر كتلة الجسم (BMI) بعد السنوات الأولى من عمر الأطفال علامة على زيادة الدهون، ولكن، دراسة جديدة نُشرت في مجلة (The Journal of Nutrition) تشير إلى أن هذا الارتفاع قد يكون جزءًا طبيعيًا من نمو العضلات والأنسجة الخالية من الدهون، وليس دليلًا على زيادة الدهون كما كان يُعتقد.
نظرية استمرت 42 عامًا تحت المجهر
منذ عام 1984، اعتمد كثير من الباحثين والأطباء على مفهوم يُعرف باسم ارتداد الدهون (Adiposity rebound)، والذي يفترض أن مؤشر كتلة الجسم ينخفض بعد مرحلة الرضاعة ثم يبدأ بالارتفاع مجددًا في سن الخامسة أو السادسة نتيجة عودة تراكم الدهون في الجسم.
كما أشارت دراسات سابقة إلى أن الأطفال الذين يبدأ لديهم هذا الارتفاع في عمر مبكر قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالسمنة في مرحلة المراهقة أو البلوغ، مما دفع بعض الأطباء إلى اعتبار هذا النمط علامة تحذيرية تستدعي التدخل المبكر من خلال النظام الغذائي وتعديل نمط الحياة، ولكن الدراسة الجديدة ترى أن هذا التفسير قد لا يعكس ما يحدث داخل الجسم فعليًا.
ارتفاع مؤشر كتلة الجسم لا يعني بالضرورة زيادة الدهون
يوضح الباحثون أن مؤشر كتلة الجسم لا يميّز بين الدهون والعضلات والعظام وسائر أنسجة الجسم؛ إذ يعتمد فقط على الوزن والطول. ولذلك، فإن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم قد يحدث نتيجة زيادة الكتلة العضلية أو الأنسجة الخالية من الدهون، وليس بسبب تراكم الدهون وحدها.
ويرى فريق البحث أن الاعتماد على مؤشر كتلة الجسم وحده قد أدى إلى تفسير خاطئ للتغيرات الطبيعية التي يمر بها الأطفال أثناء النمو.
مقياس أكثر دقة كشف نتائج غير متوقعة
للوصول إلى صورة أدق، حلّل الباحثون بيانات 2410 أطفال ومراهقين تتراوح أعمارهم بين عامين و19 عامًا، شاركوا في المسح الوطني الأمريكي للصحة والتغذية (NHANES) بين عامي 2021- 2023، ولم يعتمد الفريق على مؤشر كتلة الجسم (BMI) وحده، بل استخدم أيضًا نسبة محيط الخصر إلى الطول، وهي مقياس يُعتقد أنه أكثر دقة في تقدير كمية الدهون في الجسم، لأنه يميز بصورة أفضل بين الدهون والكتلة العضلية.
بعد ذلك، قارن الباحثون التغيرات التي طرأت على كل من مؤشر كتلة الجسم ونسبة محيط الخصر إلى الطول مع تقدم الأطفال في العمر، لمعرفة أيهما يعكس تغيرات الدهون في الجسم بصورة أدق.
النتائج قلبت النظرية القديمة رأسًا على عقب
أظهرت البيانات أن مؤشر كتلة الجسم انخفض تدريجيًا بعد مرحلة الرضاعة، ثم بدأ بالارتفاع مجددًا كما هو معروف، ولكن عند فحص نسبة محيط الخصر إلى الطول، لم يجد الباحثون أي دليل على حدوث ارتداد مماثل في كمية الدهون، فقد استمرت هذه النسبة بالانخفاض حتى نحو سن السابعة، ثم بدأت ترتفع تدريجيًا بعد ذلك، لكنها لم تعد أبدًا إلى المستوى الذي كانت عليه في عمر السنتين.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن الارتفاع الذي يحدث في مؤشر كتلة الجسم بين عمر 5- 7 سنوات قد يكون ناتجًا بدرجة كبيرة عن زيادة الكتلة العضلية والأنسجة الخالية من الدهون، وليس عن زيادة الدهون كما كان يُعتقد سابقًا.
زيادة مؤشر كتلة الجسم جزء من النمو الطبيعي
يشير الباحثون إلى أن اعتبار هذا الارتفاع الطبيعي في مؤشر كتلة الجسم مشكلة صحية قد يكون غير مبرر، خاصة إذا كان ناتجًا عن النمو الطبيعي للجسم. كما استشهدوا بتجربة سريرية عشوائية طويلة الأمد أُجريت في فنلندا، تابعت الأطفال منذ عمر 7 أشهر وحتى 20 عامًا، وهدفت إلى معرفة ما إذا كان اتباع نظام غذائي صحي منذ الطفولة يمكن أن يؤخر أو يغير موعد بدء ارتفاع مؤشر كتلة الجسم لدى الأطفال.
ورغم أن الأطفال تلقوا إرشادات غذائية صحية لسنوات، لم يلاحظ الباحثون أي اختلاف في العمر الذي بدأ فيه مؤشر كتلة الجسم بالارتفاع مقارنة بالأطفال الذين لم يتلقوا هذه الإرشادات. ويرى الباحثون أن ذلك يشير إلى أن هذا الارتفاع قد يكون جزءًا طبيعيًا من نمو الجسم، وليس مشكلة يمكن منعها باتباع نظام غذائي صحي.
نتائج قد تعيد تشكيل معايير تقييم السمنة لدى الأطفال
يشدد الباحثون على أن الدراسة لا تنفي وجود السمنة لدى الأطفال ولا تقلل من أهميتها، لكنها تشكك في تفسير ظاهرة اعتُبرت لعقود مؤشرًا مبكرًا على تطور السمنة. كما يؤكدون أن النتائج الحالية لا تعني التخلي عن استخدام مؤشر كتلة الجسم، وإنما تشير إلى ضرورة تفسيره بحذر وعدم اعتباره مقياسًا مباشرًا لكمية الدهون، خاصة خلال مراحل النمو السريع في الطفولة.
وفي الوقت نفسه، يدعو الباحثون إلى إجراء المزيد من الدراسات للتحقق من هذه النتائج وتحديد ما إذا كانت أدوات مثل نسبة محيط الخصر إلى الطول يمكن أن تحسن تشخيص زيادة الدهون وتقييم مخاطرها الصحية لدى الأطفال بصورة أدق.