تعاني العديد من النساء في فترة ما بعد الولادة (بالإنجليزية: Postpartum Period) من الاضطرابات المزاجية (بالإنجليزية: Mood Disturbances)، والتي غالباً ما تكون بسيطة وعلى فترة قصيرة، ولكن بعض النساء تظهر عليهن أعراض الاكتئاب والقلق الشديدة وبشكل واضح.

نتناول تالياً الحديث عن الاضطرابات المزاجية بعد الولادة والتي يمكن أن تصل إلى اكتئاب ما بعد الولادة.

أسباب اضطرابات المزاج بعد الولادة

هناك العديد من الأسباب والعوامل المسببة للاضطرابات المزاجية بعد الولادة، منها:

  1. التغيرات الهرمونية، حيث أن مستويات هرموني الإستروجين (بالإنجليزية: Estrogen)، والبروجيستيرون (بالإنجليزية: Progesterone) تهبط بشكل مفاجئ وشديد، بعد أن كانت مستويات الهرمونات قد ارتفعت في الأسابيع الأخيرة من الحمل ارتفاعاً كبيراً.

كما أن هرمون البرولاكتين (بالإنجليزية: Prolactine)، أو الذي يعرف بهرمون الحليب، ترتفع مستوياته ويتم إفرازه لتحفيز غدد الثدي على إفراز الحليب للرضاعة الطبيعية. وقد وجد أن ارتفاع مستويات هرمون البرولاكتين تسبب تقلبات مزاجية.

  1. العوامل النفسية، حيث أن الولادة بحد ذاتها تعد تغييراً كبيراً في حياة الأم، والذي يؤدي إلى الضغوطات النفسية والاضطرابات المزاجية. وفي حال وجود عوامل أخرى مسببة للضغط النفسي، فإنها تجعل الأم أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات المزاجية بعد الوضع مقارنة بغيرها من الأمهات. 

بعض العوامل المسببة للضغط النفسي والاضطرابات النفسية بعد الولادة هي:

  • عدم وجود الدعم الأسري والافتقار له.
  • الخوف على العلاقات، مثل العلاقة الزوجية نتيجة لعدم الانسجام والمشاكل.
  • الصعوبات المالية.
  • الوحدة وعدم وجود الأصدقاء والأهل حول الأم، مثل في حالات التغرب.

كما أن الإصابة بالاضطرابات المزاجية مسبقاً سواء قبل الحمل أو أثناءه، أو الإصابة باضطرابات مزاجية بعد الولادة مسبقاً، تزيد من خطر الإصابة باضطرابات مزاجية بعد الولادة.

إن الإصابة بمرض السكري (بالإنجليزية: Diabetes Mellitus) بالنوع الأول أو الثاني أو سكري الحمل، أو الإصابة بأحد اضطرابات الغدة الدرقية يزيد من احتمالية الإصابة بالاضطرابات المزاجية بعد الولادة.

الاضطرابات المزاجية التي قد يتم الإصابة بها بعد الولادة

إن 87 في المئة من الأمهات يعانين من نوع من أنواع الاضطرابات المزاجية الثلاثة التي قد تحدث بعد الولادة.

تشتمل الاضطرابات المزاجية التي قد يتم الإصابة بها بعد الولادة على:

  • حزن ما بعد الولادة

يعد حزن ما بعد الولادة (بالإنجليزية: PostPartum Blues) النوع الأكثر شيوعاً بين الاضطرابات المزاجية بعد الولادة، وتبدأ الأعراض بالظهور بعد عدة أيام من الولادة، وعادةً ما تظهر بعد 3 إلى 4 أيام، وتستمر لفترة قصيرة تتراوح ما بين ساعات قليلة إلى عدة أيام.

يظهر الحزن ما بعد الولادة بالعديد من الأعراض، منها تقلب المزاج، والبكاء المستمر، والقلق العام، والنوم لساعات طويلة، واضطرابات في الشهية.

إن حزن ما بعد الولادة لا يحتاج لعلاج، وتزول الأعراض تلقائياً خلال أسبوعين، ومن المهم تلقي الأم الدعم المعنوي والنفسي من الأهل والزوج، لما له من دور كبير في تحسن الأم وتسريع علاجها، ولكن في حال استمرار الأعراض لأكثر من أسبوعين، فمن الممكن أن تكون الأم تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة، وعلى وجه الخصوص إذا كانت الأم قد عانت من مرض الاكتئاب (بالإنجليزية: Depression) مسبقاً.

  • اكتئاب ما بعد الولادة

يعد اكتئاب ما بعد الولادة (بالإنجليزية: Postpartum Depression) أحد أنواع الاكتئاب التي تصيب المرأة بعد الولادة مسببة تغيرات جسدية، وعاطفية، وسلوكية. يعد اكتئاب ما بعد الولادة أقل شيوعاً مقارنة بالحزن ما بعد الولادة.

يظهر اكتئاب ما بعد الولادة ببعض الأعراض، منها:

    • الحزن.
    • تغيرات في عادات النوم والأكل.
    • فقدان الطاقة.
    • فقدان الشغف.
    • القلق.
    • البكاء المستمر.
    • قد تراود الأم في بعض الأحيان أفكار بالانتحار، أو أفكار بإيذاء طفلها، ولكنها غالباً لا تقدم على فعلها.
    • فقدان رغبة الاهتمام بالطفل، وبعض الأمهات يعانين من القلق والوسواس حول الحالة الصحية للطفل.

عادةً ما تبدأ الأعراض بالظهور خلال 4 إلى 6 أسابيع بعد الوضع، ولكن قد تستغرق عدة شهور وقد تصل إلى عام كامل لظهورها.

إن اكتئاب ما بعد الولادة لا يصيب الأمهات فقط، وإنما قد يصيب الآباء أيضاً ولكن بنسب أقل، وتظهر الأعراض عادةً بعد 3 إلى 6 شهور من ولادة الرضيع.

للمزيد: اكتئاب ما بعد الولادة يصيب الرجال أيضاً

من العوامل التي تزيد من احتمالية الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة ما يلي:

    • العمر الصغير، بحيث كلما كانت الأم اصغر، فإن احتمالية الإصابة تزداد.
    • الحمل غير المرغوب فيه، وغير المخطط له.
    • الإصابة ببعض مضاعفات الولادة، مثل سلس البول (بالإنجليزية: Urinary Incontinence)، وفقر الدم (بالإنجليزية: Anemia)، والتغيرات في قراءات ضغط الدم، والتغيرات في عمليات الأيض.
    • عدم وجود الدعم المعنوي والنفسي من الأهل والزوج، والشعور بالوحدة.
    • الإصابة بالاكتئاب أو أحد الاضطرابات المزاجية مسبقاً.

علاج اكتئاب ما بعد الولادة

قبل تشخيص الأم باكتئاب ما بعد الولادة، وصرف الأدوية لها، يجب التأكد من عدم وجود مشاكل وأسباب أخرى لاضطرابات المزاج، مثل اضطرابات الغدة الدرقية، وفقر الدم. ويعتمد نوع العلاج الموصوف من قبل الطبيب على شدة ونوع الأعراض المصاحبة لاكتئاب ما بعد الولادة.

وينقسم علاج الاكتئاب إلى ثلاثة أقسام، وهي:

    • العلاج النفسي (بالإنجليزية: Psychological Therapy)، ويستخدم هذا النوع من العلاج في الحالات المتوسطة من اكتئاب ما بعد الولادة. يعتقد بأن الأفكار التي تفكر بها الأم هي أحد المسببات لاكتئاب ما بعد الولادة، ويعمل هذا النوع من العلاج على تغيير نمط التفكير بحيث يصبح أكثر إيجابية. ولذلك يجب على الأم أن تشارك أفكارها مع أهلها أو زوجها، والذي بدوره يسرع من عملية الشفاء.

يرجح استخدام هذا الأسلوب في علاج الأم التي ترضع طفلها، وترغب في تجنب الأدوية المضادة للاكتئاب.

    • العلاج بالأدوية، ويتم اللجوء للأدوية المضادة للاكتئاب (بالإنجليزية: Antidepressants) عادةً في حالات الاكتئاب الشديدة، وتعتبر هي الخيار الأول لعلاجه، حيث أنها تساعد في علاج بعض أعراض الاكتئاب، مثل اضطرابات النوم، وفقدان التركيز وفقدان الشغف. ويمكن استخدام العلاج النفسي مع العلاج بالأدوية.

يتم اختيار الدواء المضاد للاكتئاب بناءً على استجابة الأم للأدوية، والأعراض الجانبية المحتملة لكل نوع. تحتاج الأدوية المضادة للاكتئاب لما يقارب أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لبدء تلاشي أعراض الاكتئاب.

الأدوية التي يمكن استخدامها لعلاج اكتئاب ما بعد الولادة:

تعد هذه المجموعة هي الاختيار الأول من الأدوية المضادة للاكتئاب، وتعد من الأدوية التي تنتقل عبر حليب الأم إلى الطفل بنسب منخفضة جداً، كما أن احتمالية المضاعفات المصاحبة لها تكون أقل.

      • مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات (بالإنجليزية: Tricyclic Antidepressants)، ويفضل وصف هذه المجموعة للأم التي تعاني من اضطرابات في النوم، وذلك لخواصها المنومة. كما أنها تنتقل عبر حليب الأم بكميات أقل من مثبطات السيروتونين الانتقائية، واحتمالية المضاعفات المصاحبة لها قليلة جداً.

يجب تجنب مجموعة مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات في بعض الحالات، مثل الإصابة بالصرع، أو الإصابة بأمراض في القلب، أو الاكتئاب الشديد المصاحب لأفكار الانتحار.

      • دواء الببروبيون (بالإنجليزية: Bupropion)، ولكن فعاليته أقل من فاعلية باقي الأدوية.
      • يمكن استخدام أدوية البنزوديازيبين (بالإنجليزية: Benzodiazepine)، مثل دواء الكلونازيبام، واللورازيبام، بالإضافة إلى الأدوية المضادة للاكتئاب.
    • العلاج بالصدمة الكهربائية (بالإنجليزية: Electroconvulsive therapy)، ويتم اللجوء إليها في حالات عدم الاستجابة للأدوية المضادة للاكتئاب. يتم إجراء العلاج بالصدمة الكهربائية تحت التخدير الكامل. من الآثار الجانبية له الصداع، وفقدان الذاكرة لفترة قصيرة.

للمزيد: اكتئاب ما بعد الولادة وتدابيره العلاجية

  • ذهان ما بعد الولادة

ذهان ما بعد الولادة (بالإنجليزية: postpartum psychosis)، أو ما يعرف بذهان النفاس، هو ظهور أعراض ذهانية (وتعني الانفصال عن الواقع)، ويعد الذهان من الاضطرابات المزاجية نادرة الحدوث ولكن من أشد الاضطرابات المزاجية التي قد تصيب الأم بعد الولادة.

يمتاز ذهان ما بعد الولادة ببدايته السريعة والمفاجئة، حيث أن الأعراض قد تبدأ خلال يومين إلى ثلاثة أيام بعد الولادة، وفي معظم الحالات تبدأ الأعراض الشديدة خلال أسبوعين من الولادة.

يظهر ذهان النفاس بأعراض مرض ثنائي القطب (بالإنجليزية: Bipolar Disorder)، حيث أن المزاج يتقلب بين الحزن المفرط والسعادة المفرطة دون سبب وبشكل مستمر، كما يسبب التوهم (بالإنجليزية: Delusions)؛ وهي أفكار واعتقادات غير حقيقية وخاطئة تتمسك بها الأم بالرغم من جميع الدلائل المعارضة لها. كما يسبب الهلوسة (بالإنجليزية: Hallucination)؛ وهي رؤية، أو سماع، أو الشعور بأمور غير موجودة في الواقع.

يظهر ذهان النفاس في الأيام الأولى بعد الولادة ببعض الأعراض، مثل الأرق، وفرط الحركة، والطاقة المرتفعة.

نظراً للمضاعفات الخطيرة للذهان ما بعد الولادة، يجب تشخيص الأم ومعالجتها مبكراً، وذلك للحفاظ على صحتها وصحة الطفل. كما تستدعي الإصابة بذهان ما بعد الولادة الإدخال إلى المستشفى مباشرة للعلاج. إن فترة علاج ذهان ما بعد الولادة طويلة جداً، حيث أنها قد تحتاج مدة أسبوعين إلى 12 أسبوع لعلاج الأعراض الشديدة، وقد تستغرق عاماً كاملاً لعلاج الأعراض بشكل كامل.

نصائح للوقاية من الاضطرابات المزاجية بعد الولادة

يمكن الوقاية من الاضطرابات المزاجية بعد الولادة من خلال:

  • اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن.
  • المحافظة على انتظام مستويات السكر في الدم من خلال تناول وجبات صغيرة في أوقات متباعدة.
  • الحصول قسط كافٍ من النوم، ما يقارب 7-8 ساعات.
  • تنظيم الوقت للتقليل من التوتر.
  • مشاركة الأصدقاء المقربين والعائلة والزوج بالأفكار والمشاعر، وذلك للحد من الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة.

اقرأ أيضاً: صحة المرأة النفسية في رحلتها الانجابية