الزعفران من الأعشاب المفيدة لصحة العين والدماغ، كما أظهرت دراسات أنّه يحتوي على مركبات تساعد على تحسين المزاج، هذا إلى جانب كونه مصدرًا غنيًا بمضادات الأكسدة والالتهابات، وكشفت دراسة حديثة عن مركب طبيعي مشتق من الزعفران يُعرف باسم كروسين 2 (Crocin II)، أظهر قدرة على تقليل تراكم الدهون في الكبد، فما الذي وجده الباحثون؟ وهل الزعفران فعلًا يعالج دهون الكبد؟
الكبد الدهني.. مرض شائع يواصل الانتشار عالميًا
ركزت الدراسة على مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل الوظائف الأيضية (MASLD)، وهو من أكثر أمراض الكبد شيوعًا، ويحدث نتيجة تراكم الدهون داخل خلايا الكبد، مما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى الالتهاب وتليف الكبد إذا لم يُعالج.
ويرتبط هذا المرض ارتباطًا وثيقًا بعدد من عوامل الخطر الأيضية، مثل السمنة، وارتفاع الكوليسترول، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم. وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو 30% من البالغين حول العالم، مع توقعات بارتفاع معدل انتشاره إلى 55.7% بحلول عام 2040، مما يجعله أحد أبرز التحديات الصحية العالمية في السنوات المقبلة.
بروتين قد يكون مفتاحًا جديدًا لعلاج الكبد الدهني
ركز الباحثون على بروتين يُعرف باسم (ANGPTL8)، ينتجه الكبد ويُفرزه إلى مجرى الدم، ويشارك في تنظيم استقلاب الدهون، كما يُعتقد أن له دورًا في بعض العمليات الالتهابية. وقد أظهرت دراسات سابقة أن مستويات هذا البروتين ترتفع لدى الأشخاص المصابين بمرض الكبد الدهني المرتبط بخلل الوظائف الأيضية، ويرتبط ارتفاعه غالبًا بزيادة شدة تلف الكبد.
ولهذا السبب، سعت أبحاث عديدة إلى استهداف (ANGPTL8) بوصفه هدفًا علاجيًا محتملاً. وشملت هذه المحاولات استخدام تقنيات وراثية لتعطيل الجين المسؤول عن إنتاجه، إضافة إلى تطوير جزيئات مناعية تهدف إلى تحييد تأثيره. إلا أن هذه الأساليب واجهت تحديات، مثل صعوبة إيصالها إلى الخلايا، وارتفاع تكلفتها، وقصر مدة بقائها في الجسم، لذلك لم يصل أي منها حتى الآن إلى مرحلة الاستخدام السريري.
من بين 70 مركبًا في الزعفران.. هذا المركب تفوق على البقية
للبحث عن مركبات طبيعية قادرة على استهداف بروتين ANGPTL8، فحص الباحثون 70 جزيئًا صغيرًا مستخلصًا من الزعفران، واختبروا مدى قدرتها على الارتباط بهذا البروتين.
وأظهرت النتائج أن مركبين، هما كروسين 1 (Crocin I) وكروسين 2 (Crocin II)، كانا الأكثر قدرة على التفاعل مع البروتين. وينتمي هذان المركبان إلى مجموعة من الصبغات الطبيعية المسؤولة عن اللون الذهبي البرتقالي المميز للزعفران.
لكن عند إجراء اختبارات أكثر دقة، تبين أن كروسين 2 يرتبط ببروتين ANGPTL8 بقوة أكبر من كروسين 1، الأمر الذي دفع الباحثين إلى اختياره لمواصلة التجارب ودراسة تأثيره بصورة أكثر تفصيلًا.
مركب يعطّل البروتين ويدفع الخلية إلى التخلص منه
أظهرت النتائج أن كروسين 2 (Crocin II) لا يعمل فقط على تثبيط نشاط بروتين ANGPTL8، بل يبدو أنه يحفز الخلية على التخلص منه عبر نظامها الطبيعي المسؤول عن تفكيك البروتينات غير المرغوب فيها وإعادة تدويرها.
وللتأكد من هذه الآلية، عطّل الباحثون هذا النظام داخل الخلايا، فاختفى تأثير المركب، مما يشير إلى أن فعاليته تعتمد على تنشيط هذه العملية الخلوية. كما بينت التجارب أن وجود كروسين 2 أدى إلى انخفاض كمية بروتين ANGPTL8 داخل الخلية إلى النصف خلال نحو 6.45 ساعات.
وأشارت نماذج حاسوبية أيضًا إلى احتمال أن يعمل كروسين 2 بالتعاون مع بروتين مساعد يُعرف باسم P62، الذي قد يسهم في نقل ANGPTL8 إلى نظام التخلص الخلوي. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى إثبات من خلال تجارب مخبرية إضافية.
كروسين 2 يقلل دهون الكبد ويحسّن سكر الدم
لاختبار فعالية كروسين 2 (Crocin II)، استخدم الباحثون فئرانًا ذكورًا أُصيبت بمرض الكبد الدهني بعد تغذيتها على نظام غذائي غني بالدهون لمدة 10 أسابيع، ثم أعطيت حقنًا يومية من المركب بجرعات مختلفة. ويؤكد الباحثون أن الدراسة لم تختبر تناول الزعفران كغذاء أو مكمل غذائي، وإنما اعتمدت على حقن كروسين 2.
وأظهرت النتائج أن الفئران التي تلقت أعلى جرعة من المركب انخفض وزنها بنسبة 18.58% مقارنة بالفئران غير المعالجة. كما سجلت انخفاضًا في مستويات الدهون الثلاثية، والكوليسترول الكلي، والكوليسترول الضار (LDL)، إلى جانب تحسن مقاومة الإنسولين واستقرار مستويات سكر الدم. كذلك تراجعت مستويات إنزيمات الكبد، وأظهرت فحوصات الأنسجة انخفاضًا ملحوظًا في تراكم الدهون داخل الكبد، مما يشير إلى تحسن مؤشرات المرض لدى الفئران.
الخلاصة: خطوة أولى نحو دواء مستوحى من الطبيعة
تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن كروسين 2 (Crocin II)، وهو مركب طبيعي مستخلص من الزعفران، قد يمثل مرشحًا بحثيًا واعدًا لتطوير علاجات مستقبلية لمرض الكبد الدهني، إلا أنه لا يزال بعيدًا عن أن يكون علاجًا جاهزًا للاستخدام السريري. وتكمن أهمية الدراسة في كشفها عن آلية جديدة قد تساعد على تقليل تراكم الدهون في الكبد، من خلال تحفيز الخلية على التخلص من بروتين يرتبط بتطور المرض.
ومع ذلك، اقتصرت هذه النتائج على تجارب مخبرية ودراسات أجريت على الفئران، لذلك لا يمكن الجزم بأن المركب سيكون آمنًا أو فعالًا لدى البشر. وما زال الأمر يتطلب إجراء المزيد من الدراسات، يتبعها تجارب سريرية، قبل التفكير في استخدامه كعلاج.
لذلك، لا تعني هذه النتائج أن الزعفران أو مكملاته الغذائية يمكنها علاج الكبد الدهني أو تحقيق الفوائد نفسها التي لوحظت في الدراسة، وإنما تفتح الباب أمام تطوير أدوية مستقبلية مستوحاة من مركبات طبيعية تستهدف آليات محددة مرتبطة بالمرض.