ينصح الجميع بالتخلص من دهون الجسم، وما يحمل ذلك من فوائد عديدة للجسم، ولكن دراسة حديثة نشرتها مجلة (JCI) كشفت جانبًا آخر قد لا يتوقعه الكثيرون؛ إذ أظهرت أن فقدان الدهون بشكل غير طبيعي قد يكون ضارًا بقدر تراكمها. ووجد الباحثون أن اضطرابًا وراثيًا نادرًا يؤدي إلى فقدان الدهون من مناطق محددة في الجسم يسبب تغيرات ترتبط بخطر الإصابة بمرض السكري ودهون الكبد واضطرابات الأيض، فما الذي وجده الباحثون؟
فقدان الدهون: من ميزة صحية إلى عامل يزيد خطر الإصابة بالسكري!
على عكس الاعتقاد الشائع، لا تقتصر وظيفة الدهون في الجسم على تخزين السعرات الحرارية، بل تؤدي الأنسجة الدهنية دورًا حيويًا بوصفها عضوًا نشطًا يساهم في تخزين الطاقة، وإفراز الهرمونات وتنظيم العديد من العمليات الأيضية. وعندما تكون هذه الأنسجة سليمة، فإنها تساعد الجسم على تخزين الدهون والتعامل معها بطريقة تحافظ على التوازن الأيضي.
لكن هذا التوازن قد يختل في حالات وراثية نادرة، مثل الحثل الشحمي الجزئي العائلي من النوع الثاني (FPLD2)، الذي يؤدي إلى فقدان الدهون من مناطق محددة في الجسم وتوزيعها بصورة غير طبيعية. ونتيجة لذلك، تتراكم الدهون في أعضاء لا يُفترض أن تُخزن فيها، مثل الكبد والعضلات، مما يزيد خطر الإصابة بمرض السكري، والكبد الدهني واضطرابات أيضية أخرى.
حين تفقد الخلايا الدهنية قدرتها على تخزين الدهون تبدأ المشكلة
لفهم الآلية التي تقف وراء هذه الحالة، أجرى باحثون من جامعة ميشيغان، بالتعاون مع فريق متعدد التخصصات، دراسة ركزت على التغيرات التي تحدث داخل الأنسجة الدهنية لدى المصابين بالحثل الشحمي الجزئي العائلي من النوع الثاني (FPLD2). ولتحقيق ذلك، طوّر الباحثون نموذجًا حيوانيًا أمكن من خلاله تعطيل جين Lamin A/C داخل الخلايا الدهنية فقط، وهو الجين نفسه الذي تؤدي طفراته إلى الإصابة بهذا الاضطراب. كما حلل الفريق عينات من الأنسجة الدهنية تبرع بها مرضى مصابون بالحالة.
وكشفت النتائج عن تغيرات واسعة في نشاط الجينات داخل الخلايا الدهنية، أفقدتها قدرتها الطبيعية على معالجة الدهون وتخزينها. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ دخلت الخلايا الدهنية والخلايا المناعية الموجودة في النسيج الدهني في حالة تعزز الالتهاب، كما ظهرت اضطرابات في وظائف الميتوكوندريا، وهي العضيات المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا، ما يشير إلى سلسلة من التغيرات التي قد تسهم في تطور اضطرابات الأيض والسكري.
كيف يؤدي فقدان الدهون إلى زيادة خطر السكري والكبد الدهني؟
تشير نتائج الدراسة إلى أن هذه التغيرات لا تحدث بصورة منفصلة، بل تتفاعل معًا ليصبح النسيج الدهني غير قادر على أداء وظائفه الطبيعية، ما يؤدي تدريجيًا إلى تدهوره وفقدانه.
ومع تراجع كمية الأنسجة الدهنية السليمة، يفقد الجسم جزءًا من قدرته على تخزين الدهون والتعامل معها بكفاءة، كما يختل إفراز بعض الهرمونات التي تنظم عمليات الأيض. ونتيجة لذلك، تبدأ الدهون بالتراكم في أعضاء لا تُعد مخصصة لتخزينها، مثل الكبد، بالتزامن مع اضطراب تنظيم مستويات السكر في الدم، وهو ما يزيد خطر الإصابة بمرض السكري والكبد الدهني واضطرابات أيضية أخرى.
الخلاصة: الخلايا الدهنية جزء من معادلة الإصابة السكري
تكشف نتائج الدراسة أن العلاقة بين الدهون ومرض السكري أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. فالإصابة بالسكري من النوع الثاني لا ترتبط فقط باضطراب الخلايا المنتجة للإنسولين في البنكرياس، بل يبدو أن سلامة الأنسجة الدهنية وقدرتها على أداء وظائفها الطبيعية تمثل أيضًا عنصرًا مهمًا في الحفاظ على التوازن الأيضي.
ويأمل الباحثون أن تسهم هذه النتائج في تطوير استراتيجيات علاجية جديدة تهدف إلى حماية الخلايا الدهنية من التدهور، والحفاظ على قدرتها على تخزين الدهون وتنظيم عمليات الأيض، أو الحد من التغيرات الالتهابية والوظيفية التي تصيبها. وقد يفتح ذلك المجال مستقبلًا لتقليل المضاعفات الأيضية المرتبطة بالحثل الشحمي، وربما تحسين فهم آليات تطور السكري أيضًا.