يُعد سرطان البنكرياس من أكثر أنواع السرطان فتكًا ومقاومةً للعلاج، إذ لا تتجاوز نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات بعد التشخيص نحو 13%، ويرجع السبب في ذلك إلى أنّه عادةً يكتشف في مراحل متقدمة، حيث تكون خيارات العلاج محدودة، ولكن كشفت دراسة جديدة عن أمل جديد لمرضى سرطان البنكرياس؛ فقد نجح الباحثون في استهداف طفرة جينية شائعة تعرف باسم KRAS، فهل يتمكن هذا العلاج الجديد من إبطاء نمو الورم ورفع فرص النجاة؟
الطفرة التي استعصت على العلاج
توجد طفرات KRAS في نحو 90% من حالات سرطان البنكرياس، وهي من أبرز العوامل التي تدفع الخلايا السرطانية إلى النمو والانتشار. ولهذا السبب، سعى العلماء لسنوات طويلة إلى تطوير علاجات تستهدف هذا الجين، لكن دون نجاح يُذكر.
ويعود ذلك إلى طبيعة البروتين الذي ينتجه KRAS، إذ يفتقر إلى المواقع التي تعتمد عليها الأدوية التقليدية للارتباط بالبروتينات وتعطيل نشاطها، ونتيجةً لذلك اكتسب الجين سمعة خاصة في الأوساط العلمية، حتى وُصف لعقود بأنه هدف غير قابل للعلاج.
البحث عن الثغرة التي غيّرت المعادلة
في محاولة لاختراق هذا الحاجز العلمي، ركز باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو (UCSF) على طفرة محددة من بروتين KRAS تُعرف باسم KRAS G12D، وهي الأكثر شيوعًا بين مرضى سرطان البنكرياس.
وباستخدام تقنيات متطورة لتحليل بنية البروتين، تمكن الفريق من اكتشاف نقطة ضعف لم تكن مستهدفة سابقًا. وأتاح هذا الاكتشاف تطوير عقار تجريبي جديد يُعرف باسم داراكسونراسيب (Daraxonrasib)، صُمم للارتباط بالبروتين الطافر (غير الطبيعي) وتعطيل الإشارات التي تعتمد عليها الخلايا السرطانية للنمو والتكاثر.
النتائج تجاوزت التوقعات
أظهرت التجارب التي أُجريت على النماذج الحيوانية نتائج مشجعة لافتة. فقد نجح العلاج الجديد في إبطاء نمو الأورام بشكل واضح، كما ارتفع متوسط البقاء على قيد الحياة من 111 يومًا إلى 219 يومًا، أي ما يقارب الضعف مقارنة بالمجموعة التي لم تتلقَّ العلاج.
ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، إذ ارتبط استخدام داراكسونراسيب بانخفاض خطر الوفاة المرتبط بسرطان البنكرياس النقيلي (المرحلة الأخيرة من المرض) بنسبة 60%. ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل من أقوى الأدلة حتى الآن على إمكانية استهداف طفرة KRAS G12D بفعالية، بعد سنوات طويلة من اعتبارها هدفًا علاجيًا صعب المنال.
أكثر من مجرد إبطاء للورم
لم يقتصر تأثير العلاج على تقليل نمو الأورام فقط؛ فقد أظهرت التحاليل أن الدواء أدى إلى تعطيل مسارات حيوية تعتمد عليها الخلايا السرطانية للبقاء والتكاثر، كما ساعد على إضعاف الآليات التي يستخدمها الورم للنمو والاستمرار، مما قد يقلل قدرته على التقدم ومقاومة العلاجات المختلفة.
أمل جديد ولكن الطريق ما زال طويلًا
لطالما اعتُبرت طفرة KRAS من أصعب الأهداف في عالم أبحاث السرطان، لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذا الواقع قد يبدأ بالتغير. وبينما لا يزال الطريق طويلًا قبل تجربة العلاج على البشر ووصوله إلى المرضى، فإن اكتشاف نقطة ضعف جديدة في هذا البروتين يمنح العلماء فرصة غير مسبوقة لمواجهة سرطان البنكرياس من زاوية مختلفة، ويبعث قدرًا من التفاؤل للمرضى.