فنجان قهوة في الصباح ثم الانطلاق إلى العمل أو الدراسة دون تناول الإفطار؛ عادة يتبعها ملايين الأشخاص يوميًا دون التفكير كثيرًا في آثارها الصحية. لكن دراسة حديثة تشير إلى أن هذه العادة قد لا تؤثر في مستويات الطاقة والتركيز فحسب، بل قد ترتبط أيضًا بتراجع الذاكرة ومؤشرات مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر. فما العلاقة بين تخطي وجبة الإفطار وصحة الدماغ؟ ولماذا يحذر الباحثون من تكرار هذه العادة على المدى الطويل؟
الخطر قد يبدأ قبل أول لقمة
في محاولة لفهم تأثير العادات الغذائية الصباحية على صحة الدماغ مع التقدم في العمر، تابع الباحثون مئات الأشخاص الذين تجاوزوا سن 60 سنة لمدة 3 سنوات، ويشير الباحثون إلى أن تأثير تخطي وجبة الإفطار قد يتجاوز الشعور بالجوع أو انخفاض الطاقة في بداية اليوم. فهذه العادة قد تحفز استجابة الجسم للتوتر، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول. كما أن انخفاض سكر الدم بعد ساعات طويلة من الصيام قد ينعكس على التركيز والانتباه والوضوح الذهني، خاصة أن الدماغ يعتمد بشكل أساسي على الجلوكوز للحصول على الطاقة.
لكن السؤال الذي سعى الباحثون للإجابة عنه كان أعمق من ذلك: هل يمكن أن يؤدي تخطي الإفطار بشكل متكرر إلى تغيّرات في الدماغ أو تراجع في القدرات المعرفية مع مرور الوقت؟
859 شخصًا تحت المتابعة لثلاث سنوات
ولفهم التأثيرات المحتملة لتخطي وجبة الإفطار على صحة الدماغ، تابع الباحثون 859 شخصًا تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر على مدى ثلاث سنوات. وخلال الدراسة، صُنّف المشاركون الذين اعتادوا تجاوز وجبة الإفطار مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل ضمن فئة الأشخاص المعتادين على تخطي وجبة الفطور.
ولم تقتصر المتابعة على تسجيل العادات الغذائية فقط، بل خضع المشاركون أيضًا لاختبارات دورية لتقييم مجموعة من الوظائف المعرفية، بما في ذلك الذاكرة والانتباه والإدراك. كما أُجريت فحوصات بالرنين المغناطيسي لعدد من المشاركين لرصد أي تغيرات قد تطرأ على بنية الدماغ وحجمه مع مرور الوقت.
البداية بدت مطمئنة.. لكن النهاية كانت مختلفة
في المراحل الأولى من الدراسة، لم يلاحظ الباحثون اختلافات تُذكر بين الأشخاص الذين يحرصون على تناول وجبة الإفطار وأولئك الذين يتخطونها بانتظام. لكن مع مرور الوقت، بدأت الفجوة بين المجموعتين تتسع تدريجيًا.
فبعد ثلاث سنوات من المتابعة، سجل متخطو الإفطار أداءً أضعف في اختبارات الذاكرة والانتباه والوظائف المعرفية الأخرى مقارنة بالأشخاص الذين اعتادوا تناول الإفطار بانتظام. والأهم من ذلك أن هذه العلاقة استمرت حتى بعد أن أخذ الباحثون في الحسبان عوامل قد تؤثر في صحة الدماغ، مثل العمر والجنس ومستوى التعليم والسمنة وارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع مستويات الدهون في الدم.
إشارات تحذيرية كشفتها فحوصات الدماغ
ولم تقتصر النتائج على تراجع الأداء في اختبارات الذاكرة والوظائف المعرفية، بل شملت مؤشرات بيولوجية قد تعكس صحة الدماغ على المدى الطويل. فقد أظهرت تحاليل الدم أن الأشخاص الذين اعتادوا تخطي وجبة الإفطار كانت لديهم مستويات أعلى من بعض العلامات الحيوية المرتبطة بتلف الخلايا العصبية وعمليات التنكس العصبي.
كما كشفت فحوصات الرنين المغناطيسي عن أن متخطي الإفطار كانوا أكثر عرضة لحدوث انكماش في الدماغ مقارنة بغيرهم. ويُعد هذا التغير من المؤشرات التي ربطتها أبحاث سابقة بزيادة خطر الإصابة بالخرف ومرض ألزهايمر مع التقدم في العمر.
إفطار بسيط قد يكون كافيًا
يؤكد الخبراء أن تناول الإفطار لا يعني إعداد وجبة معقدة أو غنية بالسعرات الحرارية، بل يمكن أن تكون وجبة بسيطة تحتوي على البروتين والألياف، مثل الشوفان مع اللبن، أو الخبز الأسمر مع البيض، أو الزبادي مع الفواكه والمكسرات.
كما أن اختيار إفطار متوازن يحافظ على استقرار مستويات السكر في الدم، ويمنح الدماغ الطاقة اللازمة للعمل بكفاءة، وقد يكون استثمارًا بسيطًا في حماية الذاكرة وصحة الدماغ على المدى البعيد.
عادة بسيطة قد تصنع فرقًا مع التقدم في العمر
ورغم أن هذه الدراسة لا تثبت بشكل قاطع أن تخطي وجبة الإفطار يسبب تراجع الذاكرة أو يزيد خطر الإصابة بألزهايمر، فإن نتائجها تضيف إلى الأدلة المتزايدة التي تؤكد أهمية العادات الغذائية اليومية لصحة الدماغ.
ويشير الباحثون إلى أن وجبة الإفطار قد تكون أكثر من مجرد وسيلة لبدء اليوم بنشاط؛ إذ قد تمثل عادة بسيطة تساهم في دعم الوظائف المعرفية والحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر، خاصة عند اعتمادها ضمن نمط حياة صحي ومتوازن.