هل يمكن تصحيح النظر دون ليزر أو جراحة؟ قد يبدو الأمر أقرب إلى الخيال، لكن باحثين كشفوا عن تقنية تجريبية جديدة تعتمد على نبضات كهربائية خفيفة لإعادة تشكيل قرنية العين خلال نحو دقيقة واحدة فقط. ورغم أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها البحثية الأولى، فإن نتائجها الأولية أثارت اهتمام العلماء باعتبارها قد تمهد الطريق لبديل أقل تدخلاً من عمليات الليزك التقليدية في المستقبل.
بدلًا من إزالة الأنسجة.. طريقة جديدة لإعادة تشكيل القرنية
على مدى عقود، اعتمدت عمليات الليزك على إزالة أجزاء دقيقة من نسيج القرنية باستخدام الليزر لتعديل طريقة انكسار الضوء داخل العين. أما التقنية الجديدة فتعمل بطريقة مختلفة تمامًا.
فبدلًا من إزالة الأنسجة أو إحداث شقوق جراحية، تعتمد هذه الطريقة على تطبيق نبضات كهربائية منخفضة الشدة تعمل على جعل ألياف القرنية أكثر مرونة بشكل مؤقت، ما يتيح إعادة تشكيلها للوصول إلى الانحناء المطلوب. وبعد انتهاء الإجراء، تستعيد القرنية صلابتها الطبيعية مع الحفاظ على شكلها الجديد، دون الحاجة إلى استئصال أي جزء من النسيج.
عدسة خاصة ونبضات كهربائية.. هكذا اختبر الباحثون التقنية الجديدة
أجرى الدراسة مجموعة من الباحثوم من كلية أوكسيدنتال (Occidental College) وجامعة كاليفورنيا – إيرفاين (University of California, Irvine)؛ حيثُ اعتمدوا على تصميم عدسات لاصقة خاصة مصنوعة من البلاتين، تم تشكيلها مسبقًا وفق الانحناء المطلوب للقرنية.
وخلال التجارب المخبرية، وُضعت عيون الأرانب في محلول ملحي ثم تعرضت لنبضات كهربائية خفيفة استمرت نحو دقيقة واحدة فقط. وقد أدت هذه النبضات إلى تعديل الروابط الكيميائية داخل ألياف الكولاجين الموجودة في القرنية بشكل مؤقت، ما سمح بتغيير شكلها دون إحداث شقوق أو إزالة أنسجة من القرنية.
ماذا حدث للقرنية بعد العلاج؟ النتائج فاجأت الباحثين
أظهرت النتائج الأولية نجاح التقنية في إعادة تشكيل معظم القرنيات إلى انحناءات تتوافق مع تصحيح قصر النظر، وهو ما يشير إلى قدرتها المحتملة على تعديل الرؤية دون الحاجة إلى إزالة أنسجة القرنية.
كما كشفت الفحوصات عن مؤشرات مشجعة تتعلق بسلامة الأنسجة، إذ احتفظت القرنيات بشفافيتها الطبيعية، وبقيت الخلايا حية دون ظهور علامات واضحة على التلف خلال الإجراء. كذلك أظهرت تحاليل التصوير والفحص المجهري أن ألياف الكولاجين حافظت على تنظيمها البنيوي بعد إعادة التشكيل، وهو ما يُعد مؤشرًا مهمًا على استقرار النسيج وسلامته.
ميزة قد تمنح التقنية الجديدة أفضلية مستقبلًا
يُعد الليزك من أكثر إجراءات تصحيح النظر انتشارًا حول العالم، لكنه يعتمد على إزالة جزء من نسيج القرنية بشكل دائم لإعادة تشكيلها، وهو ما قد يرتبط لدى بعض المرضى بآثار جانبية محتملة مثل جفاف العين أو بعض التغيرات في أنسجة القرنية.
أما التقنية الجديدة فتتبنى نهجًا مختلفًا، إذ لا تتطلب استئصال أي جزء من نسيج القرنية أو إجراء شقوق جراحية. ويرى الباحثون أن هذه الميزة قد تساهم مستقبلًا في تقليل بعض المخاطر المرتبطة بعمليات تصحيح النظر التقليدية، إذا أثبتت الدراسات اللاحقة فعاليتها وأمانها لدى البشر.
هل يكون البديل الجديد أقل تكلفة من الليزك؟
إلى جانب إمكانية تقليل التدخل الجراحي، يرى الباحثون أن التقنية الجديدة قد تتمتع بميزة أخرى مهمة تتمثل في انخفاض تكلفتها مقارنة بإجراءات الليزك التقليدية.
فبينما تتطلب عمليات الليزك أجهزة ليزر متقدمة وباهظة الثمن، تعتمد تقنية إعادة التشكيل الكهرو-ميكانيكي (EMR) على معدات أبسط نسبيًا. ويعتقد الباحثون أن ذلك قد يسهم مستقبلًا في توسيع نطاق الوصول إلى علاجات تصحيح النظر، خاصة في المراكز الطبية أو المناطق التي يصعب فيها توفير أجهزة الليزر الحديثة مرتفعة التكلفة.
نتائج واعدة.. لكن التجارب على البشر لم تبدأ بعد
ورغم النتائج الأولية المشجعة، يشدد الباحثون على أن التقنية ما تزال في مراحلها البحثية المبكرة، إذ اقتصر اختبارها حتى الآن على عيون أرانب في المختبر، ولم تبدأ التجارب السريرية على البشر بعد.
ويواصل الفريق البحثي دراسة مدى استقرار التغييرات التي تحدثها التقنية على المدى الطويل، مع التركيز على التأكد من بقاء شكل القرنية الجديد دون أن يعود تدريجيًا إلى حالته السابقة، إضافة إلى رصد أي آثار جانبية محتملة قد تظهر بعد فترة من العلاج.