قد لا يتعلق خطر قصر النظر لدى الأطفال بالوقت الذي يقضونه أمام الشاشات أو داخل المنزل فقط، بل بطبيعة الضوء الذي تتعرض له أعينهم أيضًا. وتشير أبحاث جديدة إلى أن الإضاءة الداخلية الحديثة تفتقر إلى جزء من طيف الضوء الموجود بصورة طبيعية في ضوء الشمس، وقد يكون لهذا الغياب دور في الإصابة بقصر النظر. فما هو هذا اللون؟ وما الذي وجده الباحثون؟
الضوء النيلي يلفت انتباه الباحثين
اختار الباحثون زبابيات الشجر (Tree shrews) لإجراء التجارب، وهي ثديات صغيرة تشبه السنجاب، لكن عيونها تتمتع بخصائص تشريحية وبصرية قريبة من العين البشرية، ما يجعلها نموذجًا مناسبًا لدراسة العوامل المرتبطة بتطور قصر النظر. وخلال الدراسة، استخدم الباحثون نظارات صغيرة مصممة لهذه الحيوانات، وُضعت بطريقة تحفز تطور قصر النظر في إحدى العينين، بينما استُخدمت العين الأخرى للمقارنة. ثم عرّضوا الحيوانات لأطوال موجية مختلفة من الضوء، وتابعوا التغيرات التي طرأت على شكل العين وطولها المحوري وانكسار الضوء فيها باستخدام أدوات متخصصة.
وركز الباحثون بشكل خاص على الضوء النيلي (Indigo)، وهو ضوء ذو طول موجي قصير يوجد بوفرة في ضوء الشمس الطبيعي، لكنه يوجد بكميات قليلة في إضاءة LED البيضاء التقليدية. وأظهرت التجارب أن التعرض للضوء النيلي منع تطور قصر النظر بشكل كامل لدى الزباب الشجري، ما دفع الباحثين إلى الاهتمام بإمكانية أن يكون لهذا الجزء من طيف الضوء دور في حماية العين من تطور قصر النظر.
البحث عن الطول الموجي الأكثر تأثيرًا
كانت تجارب سابقة على الفئران قد أشارت إلى أن الضوء البنفسجي القريب من 380 نانومترًا يمكن أن يقلل قصر النظر، وأن المستقبل الضوئي OPN5 ضروري لهذا التأثير. لكن الضوء بهذا الطول الموجي لم يُحدث الاستجابة نفسها لدى زبابيات الشجر. وأوضح الباحثون أن عدسة العين لدى الإنسان وهذه الحيوانات تحجب معظم الأطوال الموجية التي تقل عن نحو 400 نانومتر. لذلك بحث الفريق عن أطوال موجية أطول يمكنها الوصول عبر عدسة العين مع الاستمرار في تنشيط OPN5. ووجدوا أن الضوء النيلي، بأطوال موجية تتراوح بين 419 و446 نانومترًا، كان الأكثر فاعلية في منع تطور قصر النظر في هذه التجارب.
كيف تختلف الإضاءة الداخلية عن ضوء الشمس؟
تشير النتائج إلى احتمال أن تكون الإضاءة الداخلية الحديثة مختلفة عن الطيف الضوئي الذي تعرضت له العين البشرية خلال معظم مراحل تطورها. فمصابيح LED البيضاء التقليدية توفر الأطوال الموجية اللازمة للرؤية الطبيعية، لكنها تحتوي على كمية قليلة نسبيًا من الضوء النيلي. ويبدو أن هذا النوع من الضوء قادر على تنشيط مستقبلات ضوئية غير مرتبطة بتكوين الصور، وقد تشارك في عمليات بيولوجية أخرى.
ويرى الباحثون أن الانتقال من البيئات الخارجية إلى نمط حياة يعتمد بدرجة أكبر على الأماكن المغلقة والتكنولوجيا قد يعني تعرض العين لطيف ضوئي مختلف عن ضوء الشمس الطبيعي.
هل يكون الحل في ضوء الشمس أم في إضاءة منازلنا؟
تدعم النتائج فكرة تعرض الأطفال لضوء الشمس في الخارج لمدة أطول للمساعدة على تقليل خطر قصر النظر؛ إذ تتعرض أعينهم هناك لطيف ضوء الشمس الطبيعي الكامل. لكن الباحثين يطرحون احتمالًا آخر يتمثل في إعادة تصميم الإضاءة الداخلية للمنزل بحيث توفر طيفًا أقرب إلى الضوء الطبيعي، بدل الاعتماد على الإضاءة التقليدية.
لكن الباحثين يدرسون أيضًا إمكانية تطوير الإضاءة داخل المنازل والمدارس وأماكن رعاية الأطفال لتصبح أقرب في طيفها إلى ضوء الشمس الطبيعي. وفي عام 2021، بدأ مستشفى Cincinnati Children's باستخدام نظام إضاءة كامل الطيف وقابل للبرمجة في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة، ولا يزال الباحثون يدرسون تأثير هذه الإضاءة في نمو الأطفال وصحتهم.
هل تصبح الإضاءة وسيلة جديدة للوقاية من قصر النظر؟
رغم قوة النتائج السابقة، فإنها لا تثبت حتى الآن أن الضوء النيلي يمنع قصر النظر لدى الأطفال. ويعمل الباحثون حاليًا على دراسة تأثير بيئات الإضاءة المختلفة في صحة الأطفال، ومن المتوقع أن تتضمن المرحلة التالية تركيب أنظمة إضاءة محسنة في بعض أماكن رعاية الأطفال، ثم متابعة الأطفال مع مرور الوقت ومقارنة معدلات قصر النظر لديهم بمعدلاته لدى أطفال يتعرضون للإضاءة التقليدية.
ويؤكد الباحثون أن الهدف ليس جعل الأماكن الداخلية أكثر سطوعًا، بل في تحسين طيف الضوء الاصطناعي ليصبح أقرب إلى الضوء الطبيعي. وإذا أكدت الدراسات السريرية المستقبلية هذه النتائج لدى الأطفال، فقد تصبح الإضاءة الغنية بالضوء النيلي وسيلة بسيطة وغير دوائية وقابلة للتطبيق على نطاق واسع للمساعدة في الحد من خطر قصر النظر في مرحلة الطفولة