هل يمكن أن ينخفض سكر الدم لدى المصاب بالسكري من النوع الثاني إلى ما دون مستوى تشخيص المرض، دون الحاجة إلى أدوية خافضة للسكر؟ قد يتحقق ذلك لدى بعض الأشخاص، وتُعرف هذه الحالة باسم "هدأة السكري". لكنها لا تعني الشفاء النهائي؛ إذ قد يرتفع السكر مجددًا، ولذلك تبقى المتابعة الطبية ضرورية حتى بعد تحسّن النتائج. ولهذا يُعدّ مصطلح "الهدأة" أدقّ من "عكس السكري" أو "التخلص منه". [1][2]
قد يساعد فقدان الوزن الزائد والحفاظ على هذا الفقدان في زيادة فرص الهدأة، خاصةً خلال السنوات الأولى بعد التشخيص. ومع ذلك، تختلف الاستجابة من شخص لآخر، ولا يعني استمرار الحاجة إلى الدواء أن الجهود لم تُثمر؛ فالعلاج والعادات الصحية يظلان مهمّين لتحسين السيطرة على السكر وحماية الصحة. فما العوامل التي تزيد فرص الوصول إلى الهدأة، وكيف يمكن الحفاظ عليها؟ [9][10]
محتويات المقال
ما المقصود بهدأة السكري؟
تُعرّف هدأة السكري، وفق تقرير التوافق الدولي، بأنها استمرار مستوى السكر التراكمي (HbA1c) دون 6.5%، أي أقل من 48 مليمول/مول، لمدة ثلاثة أشهر على الأقل دون استخدام الأدوية الخافضة لسكر الدم. ولتأكيد الهدأة، يُجرى فحص السكر التراكمي بعد مرور ثلاثة أشهر على الأقل على إيقاف هذه الأدوية بإشراف الطبيب. [1]
أما انخفاض السكر أثناء استخدام العلاج، فيدل على تحسّن السيطرة على المرض، لكنه لا يكفي لإثبات الهدأة دون دواء. لذلك، لا تتوقف عن تناول أدويتك لمجرد تحسّن النتائج أو بهدف تحقيق الهدأة؛ فقد يوصي الطبيب باستمرار بعضها لفوائد تتعلق بحماية القلب أو الكلى. [1]
كيف تحدث هدأة السكري من النوع الثاني؟
يسهم الكبد والبنكرياس في الحفاظ على توازن سكر الدم؛ إذ يُنتج البنكرياس الإنسولين، بينما يخزّن الكبد الغلوكوز ويُطلقه عند حاجة الجسم إليه. وقد يؤثر تراكم الدهون الزائدة داخل هذين العضوين في قدرتهما على تنظيم السكر لدى بعض الأشخاص المعرّضين للإصابة بالسكري من النوع الثاني. [2][9]
يمكن أن يساعد فقدان الوزن الزائد على تقليل هذه الدهون وتحسين استجابة الجسم للإنسولين، وقد يسمح للبنكرياس باستعادة جزء من قدرته على إفرازه، مما يتيح لبعض المصابين الوصول إلى الهدأة. ومع ذلك، تختلف النتائج بحسب مدة الإصابة ومدى كفاءة البنكرياس؛ فلا يوجد مقدار محدد من فقدان الوزن يضمن تحقيق الهدأة للجميع. [9]
كيف يمكن تحقيق هدأة السكري؟
فقدان الوزن والحفاظ عليه
يُعدّ فقدان الوزن الزائد والحفاظ على الوزن الجديد من أهم العوامل التي تزيد فرص الوصول إلى هدأة السكري. ويُفضّل مناقشة هذا الهدف مع الطبيب مبكرًا بعد التشخيص، لوضع خطة تناسب وزن الشخص وحالته الصحية؛ فمقدار الوزن المطلوب فقدانه يختلف من شخص لآخر. [9] [10]
وقد أظهرت تجربة DiRECT البريطانية أثر فقدان الوزن في تحقيق الهدأة. وهي تجربة عشوائية وُزّعت فيها عيادات الرعاية الأولية بين برنامج منظّم لإدارة الوزن والرعاية المعتادة، وشمل تحليلها 298 مشاركًا بالتساوي بين المجموعتين. وبعد عام، تحققت الهدأة لدى 68 من أصل 149 مشاركًا في مجموعة البرنامج، أي نحو 46%، مقابل 6 من أصل 149 في مجموعة الرعاية المعتادة، أي نحو 4%. وارتفعت النسبة إلى 86% بين 36 مشاركًا فقدوا 15 كغ أو أكثر، لكن هذه النتيجة تخصّ مجموعة فرعية ولا تضمن الاستجابة نفسها لكل شخص. [3]
ومن المهم وضع هذه النتائج في سياقها؛ فقد تراوحت أعمار المشاركين بين 20 و65 عامًا، وكانت مدة إصابتهم أقل من 6 سنوات، ومؤشر كتلة الجسم لديهم بين 27 و45 كغ/م²، ولم يكونوا يستخدمون الإنسولين. لذلك، لا يمكن تعميم النتائج على جميع المصابين بالسكري. كذلك، اعتمدت التجربة تعريفًا أقدم للهدأة يشترط مرور شهرين دون أدوية السكري، بينما يشترط التوافق الدولي اللاحق ثلاثة أشهر على الأقل. [1][3]
تغيير النظام الغذائي
يمكن أن تساعد الخطة الغذائية المنظّمة على فقدان الوزن وتحقيق الهدأة لدى بعض الأشخاص، على أن تراعي احتياجاتهم الصحية وقدرتهم على الالتزام بها. وتشمل الخيارات اليومية المفيدة ضبط حجم الحصص، وزيادة تناول الخضروات، واختيار الأطعمة الغنية بالألياف، وتقليل المشروبات المحلّاة، ضمن نظام متوازن يُخطَّط له مع اختصاصي التغذية. [7][10]
وتعتمد بعض البرامج الطبية على تقييد السعرات الحرارية لفترة محددة تحت الإشراف. فمثلًا، يوفّر برنامج الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا (NHS) للمؤهلين بدائل وجبات مكتملة العناصر الغذائية، تشمل شوربات ومخفوقات مخصّصة توفّر 800–900 سعرة حرارية يوميًا لمدة 12 أسبوعًا. ثم يُعاد إدخال الطعام تدريجيًا، مع تقديم الدعم والمتابعة للحفاظ على الوزن ضمن برنامج يمتد إلى 12 شهرًا. وهذه المنتجات مصمّمة لتحل محل الوجبات، ولا تُستبدل بمخفوقات البروتين العادية. [6]
ولا ينبغي اتباع هذا التقييد الشديد للسعرات دون إشراف طبي؛ فقد يتطلب تعديل أدوية السكري والضغط لتجنّب هبوطهما. كما أن البرنامج لا يناسب الجميع، لكن عدم استيفاء شروط الالتحاق به لا يعني بالضرورة استحالة تحقيق الهدأة بوسائل أخرى ملائمة للحالة. [6][10]
اقرأ أيضًا: غذاء مرضى السكري.
زيادة النشاط البدني
يساعد النشاط البدني على تحسين السيطرة على سكر الدم والحفاظ على الوزن، لكنه لا يضمن الوصول إلى الهدأة بمفرده. وتوصي الجمعية الأمريكية للسكري معظم البالغين بممارسة نشاط هوائي معتدل إلى شديد لمدة 150 دقيقة على الأقل أسبوعيًا، موزّعة على ثلاثة أيام أو أكثر، دون انقطاع يتجاوز يومين متتاليين. كما توصي بتمارين المقاومة مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا في أيام غير متتالية. [7]
ابدأ بما يناسب قدرتك، ثم زِد النشاط تدريجيًا. وإذا كانت لديك مضاعفات للسكري أو أمراض مصاحبة، فناقش نوع التمارين وشدتها مع الفريق المعالج. وقد تحتاج إلى تعديل خطة مراقبة السكر أو جرعات العلاج عند زيادة النشاط، خاصةً إذا كنت تستخدم الإنسولين أو أدوية أخرى قد تسبب هبوط السكر. [7]
هل تساعد جراحات السمنة على تحقيق هدأة السكري؟
قد تساعد جراحات السمنة، المعروفة أيضًا بالجراحات الأيضية، بعض المصابين بالسكري من النوع الثاني وزيادة الوزن أو السمنة على الوصول إلى الهدأة. ويُحدَّد مدى ملاءمتها بعد تقييم طبي يوازن بين فوائدها ومخاطرها، ولا يكفي اتخاذ الرغبة في إيقاف الأدوية سببًا لإجرائها. [8][9]
وتختلف فرص الهدأة بعد الجراحة بحسب الحالة ونوع العملية ومدة المتابعة. ففي تحليل جمع بيانات متابعة 262 مشاركًا من أربع تجارب عشوائية أمريكية، بلغت نسبة الهدأة بعد سبع سنوات 18.2% في مجموعة الجراحة، مقابل 6.2% في مجموعة العلاج الطبي وتعديل نمط الحياة. لكن اختلاف العمليات وخضوع 25% من مجموعة العلاج الطبي للجراحة لاحقًا يحدّان من تفسير النتائج؛ فلا تُستخدم هذه النسب للتنبؤ باستجابة شخص بعينه أو لمقارنتها مباشرةً بنتائج البرامج الغذائية الأخرى. [8]
وفي الدراسة نفسها، كانت مشكلات مثل فقر الدم والكسور واضطرابات الجهاز الهضمي أكثر شيوعًا بعد الجراحة. لذلك، تظل مناقشة هذه المخاطر والالتزام بالمتابعة طويلة الأمد جزءًا أساسيًا من القرار العلاجي. [8]
ما العوامل التي تزيد فرص الوصول إلى هدأة السكري؟
لا تتساوى فرص الوصول إلى هدأة السكري لدى جميع المصابين؛ إذ ترتبط احتمالية تحقيقها بعدة عوامل، أبرزها: [9]
- البدء مبكرًا: تكون الفرص أفضل عندما يبدأ التدخل خلال فترة أقرب إلى تشخيص السكري.
- فقدان الوزن الزائد والحفاظ على النتيجة: يرتبط فقدان قدر ملحوظ من الوزن واستمرار الحفاظ عليه بزيادة فرص الهدأة.
- احتفاظ البنكرياس بقدرة أفضل على إفراز الإنسولين: قد تساعد كفاءة البنكرياس قبل بدء التدخل على تحقيق استجابة أفضل.
ومع ذلك، لا تضمن هذه العوامل الوصول إلى الهدأة، كما أن استمرار الحاجة إلى الدواء لا يعني فشل الجهود المبذولة. فتحسين الغذاء وزيادة الحركة والوصول إلى وزن مناسب تظل خطوات مفيدة للسيطرة على السكر وحماية الصحة، سواء تحققت الهدأة أم لم تتحقق. [9][10]
كم يستغرق الوصول إلى الهدأة؟
تختلف المدة اللازمة للوصول إلى الهدأة من شخص لآخر. وعند الاعتماد على تغييرات نمط الحياة، يوصي تقرير التوافق الدولي بتوثيق الهدأة بفحص السكر التراكمي بعد مرور ستة أشهر على الأقل على بدء هذه التغييرات، وثلاثة أشهر على الأقل على إيقاف الأدوية الخافضة للسكر بإشراف الطبيب. ولا يعني ذلك تأجيل المتابعة؛ إذ يمكن إجراء الفحوص قبل هذا الموعد لتقييم التحسّن ومراقبة سلامة العلاج. [1]
هل تستمر هدأة السكري أم قد يعود ارتفاع السكر؟
قد تستمر هدأة السكري لسنوات، لكن مدتها تختلف بين الأشخاص، ولا يمكن ضمان استمرارها. ففي تجربة DiRECT، كان 53 من أصل 149 مشاركًا في مجموعة برنامج إدارة الوزن، أي نحو 36%، في هدأة بعد سنتين، مقابل 5 من أصل 149 مشاركًا، أي نحو 3%، في مجموعة الرعاية المعتادة. [4]
أما في متابعة امتدت إلى خمس سنوات، فكان 11 من أصل 85 مشاركًا توفرت بياناتهم في مجموعة الامتداد، أي نحو 13%، في هدأة. وتخصّ هذه النتيجة مجموعة فرعية وافقت على استمرار المتابعة، مع غياب بيانات بعض المشاركين؛ لذلك لا تمثل جميع أفراد التجربة الأصلية، ولا تصح مقارنتها مباشرةً بنسبة الهدأة بعد السنة الأولى. [5]
وقد يرتفع السكر مجددًا عند استعادة الوزن المفقود أو تراجع قدرة البنكرياس على إفراز الإنسولين بمرور الوقت. عندها، قد يحتاج الطبيب إلى تعديل الخطة العلاجية أو إعادة وصف الدواء. ولا تعني عودة ارتفاع السكر فشلًا شخصيًا؛ بل تشير إلى الحاجة إلى إعادة تقييم الحالة واختيار العلاج الأنسب. [2][9]
اقرأ أيضًا: علاج السكري من النوع الثاني.
كيف تتابع صحتك بعد هدأة السكري؟
تظل المتابعة الطبية ضرورية حتى بعد الوصول إلى الهدأة. ويُنصح بفحص السكر التراكمي مرة واحدة سنويًا على الأقل، وقد يطلب الطبيب تكراره بوتيرة أكبر بحسب الحالة. كما ينبغي الاستمرار في فحوص العينين والكلى والقدمين، ومراقبة ضغط الدم والوزن؛ فالهدأة لا تعني زوال خطر المضاعفات المرتبطة بارتفاع السكر سابقًا. [1]
حافظ على عاداتك الصحية والتزم بمواعيد المتابعة، وتواصل مع الطبيب إذا لاحظت ارتفاع قراءات السكر مجددًا أو ظهور أعراض مثل العطش المتزايد وكثرة التبول. فقد تستدعي هذه التغيّرات إعادة تقييم الحالة وتعديل العلاج، دون انتظار موعد الفحص الدوري. [2]
هل هذا الموضوع مرتبط بمرحلة تمر بها؟
هل ترغب بنصيحة طبية مخصصة لمرحلتك الحالية
مئات الآلاف من المرضى وثقوا بطبيبهم هنا
اسأل طبيباً الآن, الطبيب جاهز يجيب على سؤالك في دقائق
استشر طبيب