قد تبدو القراءة للمتعة نشاطًا بسيطًا لا يتجاوز قضاء بعض الوقت مع رواية أو مجلة أو قصة مصورة، إلا أن فوائدها قد تمتد إلى ما هو أبعد من الترفيه. فقد استعرض مقال افتتاحي نُشر في مجلة Psychological Medicine في 15 سبتمبر 2026 أدلة تربط القراءة للمتعة بفوائد معرفية ونفسية لدى مختلف الفئات العمرية، بدءًا من الطفولة وحتى مراحل العمر المتقدمة. وهو عرض لأبحاث سابقة، وليس تجربة جديدة؛ ولا يثبت أن القراءة تمنع ألزهايمر. [1]
القراءة في الطفولة قد تترك أثرًا يمتد إلى المراهقة
لا تبدأ أهمية القراءة بالنسبة للدماغ في مرحلة البلوغ، بل قد تبدأ منذ السنوات الأولى من الحياة. ففي دراسة رصدية من مشروع Adolescent Brain Cognitive Development (ABCD)، شمل تحليل تاريخ القراءة 10,243 طفلًا بعمر 9–11 عامًا، مع متابعة بعد عامين. وارتبط تاريخ أطول للقراءة بأداء معرفي وسلوكي وأكاديمي أفضل مقارنة بمن بدؤوا متأخرًا أو لم يقرؤوا للمتعة. ويشير نطاق 3–10 سنوات في الدراسة إلى مدة ممارسة القراءة، لا إلى عمر البدء. [2]
ولم تقتصر النتائج على الاختبارات السلوكية والمعرفية، إذ أظهرت فحوصات تصوير الدماغ ارتباط القراءة للمتعة بمساحات قشرية أكبر وأحجام أكبر في مناطق دماغية مرتبطة باللغة وتنظيم المشاعر. وظلت هذه الارتباطات موجودة حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل مستوى تعليم الوالدين ودخل الأسرة وغيرها من العوامل المحتملة المؤثرة. لكنها ارتباطات لا تثبت أن القراءة وحدها سببت هذه الفروق. [2]
القراءة لا ترتبط باللغة فقط.. بل بالانتباه والذاكرة أيضًا
الأطفال والمراهقون الذين يستمتعون بالقراءة أو يمارسونها يوميًا كانوا أكثر ميلًا إلى تحقيق درجات أعلى بصورة ملحوظة في اختبارات القراءة، ما يعكس ارتباط الاستمتاع بالقراءة بمستوى التحصيل في مهارات القراءة. [1]
كما تشير الأدلة إلى أن القراءة قد تدعم تطور مهارات الرياضيات أيضًا، نظرًا إلى وجود بعض الآليات المعرفية والعصبية المشتركة بين مهارات القراءة والرياضيات، لكن ذلك لا يثبت أن القراءة للمتعة وحدها تحسّن التحصيل في الرياضيات. [1]
وارتبط البدء المبكر بالقراءة للمتعة بعدد من النتائج الإيجابية الأخرى، منها:
- أداء أفضل في الانتباه والذاكرة والوظائف التنفيذية.
- ارتفاع مستوى التحصيل الأكاديمي.
- انخفاض المشكلات المتعلقة بالصحة النفسية.
- اتباع أنماط حياة أكثر صحة، بما في ذلك الحصول على قدر أكبر من النوم وقضاء وقت أقل أمام الشاشات. [2]
وبذلك، فإن تشجيع الطفل على القراءة للمتعة لا يرتبط بالتحصيل الدراسي وحده، وإنما قد يمتد إلى جوانب متعددة من النمو المعرفي والنفسي والسلوكي.
القراءة قد تدعم الصحة النفسية والتواصل مع الآخرين
لا تقتصر فوائد القراءة على تنشيط القدرات المعرفية، بل ارتبطت أيضًا بتحسن الرفاه النفسي والتواصل الاجتماعي. ووفق مسح Quick Reads لعام 2015، الذي شمل 4,164 بالغًا عبر الإنترنت، أفاد 64% ممن يقرؤون 30 دقيقة أسبوعيًا بفهم أفضل لمشاعر الآخرين، مقابل 48% من غير القراء، بينما قال 20% إنها شجعتهم على الاهتمام بصحتهم، و19% على اكتساب هواية جديدة. كما ذكر نصف القراء تقريبًا أنهم أصبحوا أكثر تقبلًا لمعتقدات الآخرين، وقال 17% إنهم أصبحوا أكثر هدوءًا أثناء الخلافات. وهذه إفادات ذاتية من مسح، وليست نتائج تجربة تثبت أثرًا علاجيًا للقراءة. [3]
القراءة قد تساعد على تخفيف التوتر
في دراسة تجريبية صغيرة نُشرت عام 2009، جرّب 22 طالبًا في تخصصات صحية جلسات قراءة ويوغا وفكاهة، مدة كل منها 30 دقيقة، خلال ثلاثة أسابيع وبترتيب عشوائي متوازن. انخفض ضغط الدم ومعدل القلب بعد الجلسات، دون تفوق واضح لإحداها، لكن مقياس التوتر الذاتي لم يُظهر تغيرًا ذا دلالة إحصائية. لذلك تظل النتائج أولية، ولا تحدد نسبة مضمونة لانخفاض التوتر أو أثرًا طويل الأمد. [4]
كما أفاد 74% من القراء المنتظمين في مسح بريطاني نشرته مؤسسة The Reader عام 2022 بأن القراءة كان لها تأثير إيجابي في صحتهم النفسية ورفاههم، بينما قال 41% إنها تساعدهم على الشعور بمزيد من التواصل مع الآخرين. وهذه تصورات المشاركين وليست قياسات سريرية. [5]
القراءة قد تعزز الشعور بالترابط الاجتماعي
لا يبدو أثر القراءة النفسي فرديًا فقط؛ إذ ارتبطت أيضًا بالشعور بمزيد من التواصل مع الآخرين. وفي المسح البريطاني نفسه، تظهر هذه العلاقة لدى الشباب؛ إذ قال 59% من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا إن القراءة جعلتهم يشعرون بمزيد من التواصل مع الآخرين، بينما أعرب 44% عن رغبتهم في وجود شخص يقرأ معهم.
كما أظهرت البيانات أهمية التجارب المبكرة مع القراءة؛ فقد ذكر 65% من البالغين أنهم كانوا يستمتعون عندما كان أحد الأشخاص يقرأ لهم في طفولتهم. ولا يمكن تعميم هذه الإفادات على الجميع أو استنتاج علاقة سببية منها. [5]
وقد يكون للقراءة المشتركة ونوادي الكتب دور إضافي في تعزيز التواصل الاجتماعي، وهو أمر قد يكون مهمًا بصورة خاصة لكبار السن.
القراءة والتدهور المعرفي: ماذا تقول الدراسات عن ألزهايمر؟
مع التقدم في السن، تصبح المحافظة على القدرات المعرفية أكثر أهمية. وفي دراسة رصدية نُشرت عام 2021، شمل التحليل 1,962 شخصًا في تايوان بعمر 64 عامًا فأكثر، مع متابعة امتدت إلى 14 عامًا. ارتبطت القراءة مرة أسبوعيًا على الأقل بأرجحية أقل للتدهور المعرفي مقارنة بالقراءة الأقل تكرارًا؛ وبلغت نسبة الأرجحية المعدّلة بعد 14 عامًا 0.54 (فاصل الثقة 95%: 0.34–0.86). ولا يعادل ذلك إثبات انخفاض خطر ألزهايمر؛ إذ قاست الدراسة الأداء المعرفي ولم تختبر الوقاية من المرض، ولم يتبق في متابعة السنة الرابعة عشرة سوى 818 مشاركًا. [6]
قد تساعد القراءة وغيرها من الأنشطة الذهنية على بناء ما يُعرف بـالاحتياطي المعرفي؛ أي قدرة الدماغ على التكيف مع التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر والحفاظ على الذاكرة والتفكير. وفي دراسة تابعت 801 شخصًا بعمر 65 عامًا فأكثر لمدة 4 سنوات ونصف في المتوسط، ارتبطت زيادة ممارسة الأنشطة الذهنية بانخفاض خطر الإصابة بألزهايمر. وبلغ الانخفاض النسبي 33% مع كل زيادة نقطة في مقياس هذه الأنشطة مجتمعة، وليس القراءة وحدها. ولا تثبت الدراسة أن هذه الأنشطة تمنع ألزهايمر، كما أن اقتصار المشاركين على أفراد جماعات دينية مسيحية يحدّ من تعميم النتائج على الجميع. [7]
لكن الدراسات الرصدية لا تحسم السببية؛ فقد تؤثر الصحة والتعليم ونمط الحياة في النتائج، وقد تقل القراءة بسبب تغيرات معرفية مبكرة. لذلك لا تثبت هذه الدراسات أن القراءة تغير العمليات البيولوجية المرتبطة بمرض ألزهايمر.
وتبقى القراءة نشاطًا ذهنيًا مفيدًا ضمن نمط حياة متوازن، وليست وسيلة منفردة للوقاية من ألزهايمر. وتشمل العناية بالصحة المعرفية أيضًا النشاط البدني، وإدارة الأمراض المزمنة، والنوم الكافي، والتواصل الاجتماعي. وللمزيد، اقرأ طرق الوقاية من ألزهايمر ونصائح تقوية الذاكرة. [8]
كيف تجعل القراءة جزءًا من يومك؟
لا تحتاج القراءة إلى ساعات طويلة حتى تصبح عادة يومية، بل يمكن البدء بخطوات بسيطة، مثل:
- تخصيص 15 إلى 20 دقيقة يوميًا لقراءة مادة تستمتع بها، بوصفها بداية عملية لبناء العادة، وليست مدة مثبتة للوقاية من الخرف.
- الانضمام إلى نادٍ للقراءة، سواء بصورة مباشرة أو عبر الإنترنت.
- إبقاء الكتب في أماكن يسهل رؤيتها والوصول إليها.
- تجربة أنواع مختلفة من المحتوى، مثل الروايات أو الكتب غير الروائية أو الكتب الصوتية أو القصص المصورة.
- وضع أهداف واقعية للقراءة ومتابعة التقدم من خلال تطبيق أو دفتر.