تعلّم أكثر من لغة قد يكون أكثر من استثمار لعملك ومستقبلك؛ فقد تكون أفضل طريقة للحفاظ على صحة الدماغ، خاصةً بعد أنّ كشفت عدة دراسات حديثة أنّ تحدّث لغتين أو أكثر قد يحسّن القدرة على التفكير والتكيف مع المواقف الجديدة، وإبطاء شيخوخة الدماغ مع التقدم في العمر. فما السبب وراء ذلك؟ وكيف يحسّن تحدث عدة لغات صحة الدماغ؟
دراسات تربط التحدث بعدة لغات بدماغ أكثر شبابًا
في واحدة من أكبر الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، حلل الباحثون بيانات 86,149 شخصًا من 27 دولة أوروبية، بهدف معرفة ما إذا كان التحدث بأكثر من لغة يرتبط بإبطاء الشيخوخة البيولوجية. وأظهرت النتائج، التي نشرتها مجلة (Nature Aging) أن الأشخاص الذين يعيشون في مجتمعات يتحدث فيها معظم الأشخاص بأكثر من لغة كانوا أقل عرضة للإصابة بالشيخوخة البيولوجية المتسارعة بمقدار 2.17 مرة مقارنة بمن يتحدثون لغة واحدة فقط.
كما كشفت الدراسة أن التأثير بدا تراكميًا، وهذا يعني أنّ الفوائد كانت أكبر كلما أتقن الشخص عددًا أكبر من اللغات. وفي تحليل نشر هذا العام، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يتحدثون عدة لغات امتلكوا أدمغة تبدو أصغر عمرًا مقارنة بأعمارهم الحقيقية، خاصة إذا تعلموا اللغة الثانية في سن مبكرة وتمكنوا من إتقانها.
ماذا يحدث في الدماغ عند التحدث بأكثر من لغة؟
وفي دراسة أخرى نشرتها مجلة (JNeurosci)، حاول الباحثون فهم الطريقة التي يتعامل بها الدماغ مع مهمة التحدث بأكثر من لغة في الوقت نفسه. واعتمدت الدراسة على مراقبة نشاط الدماغ أثناء انتقال المشاركين بين لغتين مختلفتين، وأظهرت النتائج أن الدماغ لا ينشئ نظامًا أو شبكة مستقلة لكل لغة، بل يستخدم شبكة عصبية مشتركة لمعالجة القواعد اللغوية واستخراج المعاني، حتى عندما تختلف الكلمات والأصوات بين اللغات المتحدثة.
وذكر الباحثون أن هذه النتائج تعكس قدرة الدماغ الكبيرة على إعادة استخدام شبكاته العصبية بكفاءة، بدلًا من إنشاء أنظمة منفصلة لكل مهارة جديدة، وهو ما يعكس قدرة عالية على التكيف.
لماذا تعلم اللغات مفيد للحفاظ على صحة الدماغ؟
يرى الباحثون أن تعلم اللغات واستخدامها باستمرار يفرض على الدماغ تحديات متكررة، مثل استخدام لغة معينة، وعدم التكلم باللغة الأخرى مؤقتًا، والانتقال السريع بين قواعد لغوية مختلفة، وتؤدي هذه العمليات إلى تنشيط شبكات الدماغ المسؤولة عن التركيز، والاحتفاظ بالمعلومات مؤقتًا، والتخطيط، واتخاذ القرارات، والتكيف مع التحديات الجديدة، والسيطرة على الانتباه.
ومع تكرار هذا التدريب على مدى سنوات، تتكون روابط عصبية جديدة ويزداد التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة، وهو ما قد يساعد في الحفاظ على كفاءته مع التقدم في العمر.
التحدث بأكثر من لغة قد يساعد الدماغ على مقاومة آثار المرض
لم تقتصر الفوائد على تأخير شيخوخة الدماغ الطبيعية فحسب، إذ أظهرت دراسة نشرتها مجلة (PNAS) أن الأشخاص الذين يتحدثون لغتين بطلاقة حافظوا على بعض قدراتهم الذهنية بعد الإصابة بكوفيد-19بصورة أكبر، مقارنة بمن يتحدثون لغة واحدة فقط معظم الوقت.
وشملت الدراسة 312 مشاركًا تراوحت أعمارهم بين 18- 80 عامًا، وركزت على تقييم مهارات مثل الانتباه، والاحتفاظ بالمعلومات مؤقتًا، والتكيف مع المواقف المختلفة، وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين استخدموا لغتين بانتظام على مدى سنوات كانوا أقل عرضة لمشكلات الانتباه والقدرات الذهنية المرتبطة بالتخطيط والتحكم في السلوك بعد الإصابة بالفيروس.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن التحدث بأكثر من لغة لا يمنع التراجع المعرفي ولا يعالجه، لكنه قد يكون أحد العوامل التي تساعد الدماغ على التعامل مع بعض التحديات الصحية بصورة أفضل.
هل يعتمد التأثير على عدد اللغات فقط؟
تشير الدراسات إلى أن عدد اللغات ليس العامل الوحيد المهم، بل إن مدى استخدام هذه اللغات في الحياة اليومية قد تكون أكثر تأثيرًا؛ فقد لاحظ الباحثون أنّ الأشخاص الذين يتحدثون لغتين أو أكثر بشكل يومي سواء أكان ذلك أثناء الدراسة أو العمل أو حتى الحياة الاجتماعية قد يدربون الدماغ بصورة أكبر، وذلك مقارنةً بمن يتحدثون عدة لغات لكنهم نادرًا ما يستخدمونها، كما يبدو أن تعلم اللغة الثانية في سن مبكرة، والوصول إلى مستوى متقدم من الإتقان، يرتبطان بفوائد أكبر لصحة الدماغ.
ماذا تعني هذه النتائج؟
رغم أن هذه الدراسات لا تثبت أن تعلم اللغات يمنع الشيخوخة أو يحمي الدماغ من الأمراض بشكل مباشر، بل تقدم أدلة قوية تشير إلى أنّ التحدث بأكثر من لغة قد يدعم الاحتياطي المعرفي، وهو قدرة الدماغ على مقاومة آثار الشيخوخة وبعض الاضطرابات العصبية.
ويرى الباحثون أن تعلم لغة جديدة في أي مرحلة عمرية قد يمثل نشاطًا ذهنيًا مفيدًا، إلى جانب ممارسة الرياضة، والنوم الجيد، والتغذية الصحية، والتفاعل الاجتماعي، وهي جميعها عوامل تسهم في الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر.