قد يبدو تجنب التمارين الحل الأكثر منطقية عندما بالشعور بالألم في المفاصل مع التقدم في العمر، لكن الأدلة تشير إلى عكس ذلك. فقلة الحركة قد تحرم المفاصل من بعض الفوائد التي يوفرها النشاط البدني، بينما يمكن للتمارين المناسبة أن تساعد على تحريك السائل الزليلي، وتقوية العضلات المحيطة بالمفصل، وتقليل الضغط الواقع عليه، فما هو نوع التمرين المناسب؟ وما الذي وجده الباحثون؟
التقدم في العمر يغير بنية المفاصل
تحتوي المفاصل على الغضروف المفصلي الذي يغطي نهايات العظام ويحميها ويسهّل حركتها، إلى جانب السائل الزليلي الذي يقلل الاحتكاك ويساعد على تغذية الغضروف. ومع التقدم في العمر، تقل كمية الغضروف والسائل الزليلي تدريجيًا، كما أن قدرة الغضروف على إصلاح نفسه محدودة بسبب افتقاره إلى إمداد دموي خاص. وقد يؤدي تدهوره مع الوقت إلى خشونة المفاصل (الفصال العظمي)، التي تصيب أكثر من 500 مليون شخص عالميًا، وتؤثر غالبًا في الركبتين والوركين والعمود الفقري.
الحركة تحافظ على صحة المفصل بدلًا من إضعافه
تؤدي الحركة نفسها دورًا مهمًا في توزيع السائل الزليلي داخل المفصل. فعندما يتحرك المفصل، يساعد ذلك على وصول السائل الزليلي وما يحتويه من عناصر غذائية إلى الغضروف، بينما تعمل العضلات المحيطة بالمفصل كأنها وسائد لامتصاص الصدمات. ولهذا فإن تقوية العضلات، بما في ذلك من خلال تمارين المقاومة ورفع الأوزان، يمكن أن تساعد على تقليل الضغط الذي تتحمله المفاصل.
وتشير الأدلة إلى أن تمارين تقوية عضلات الفخذ الرباعية، الموجودة في الجزء الأمامي من الفخذ، فعالة بصورة خاصة في تقليل آلام المفاصل.
التمارين تقلل ألم خشونة الركبة وتحسن الحركة
أظهرت مراجعة واسعة للأدلة العلمية حول تأثير التمارين في خشونة المفاصل أن ممارسة الرياضة تساعد على تقليل الألم وتحسين القدرة الوظيفية لدى الأشخاص المصابين بخشونة الركبة. كما وجدت المراجعة أن تأثير التمارين كان مشابهًا لتأثير الأدوية المضادة للالتهاب في تخفيف الأعراض، ولكن دون الآثار الجانبية نفسها المرتبطة بهذه الأدوية.
ولا تقتصر فائدة الحركة على العضلات والمفاصل، إذ يمكن أن تساعد التمارين أيضًا في الحفاظ على الإحساس بوضعية الجسم وحركته (Proprioception)، وهو النظام الذي يساعد الدماغ على معرفة مكان أجزاء الجسم وكيف تتحرك.
التمارين منخفضة التأثير تمنح المفاصل فرصة للحركة بأقل ضغط
تشير التمارين منخفضة التأثير إلى الأنشطة التي يبقى فيها قدم واحدة على الأقل ملامسة للأرض أو يكون الجسم مدعومًا بطريقة أخرى، ما يقلل مقدار القوة والوزن الواقعين على المفاصل. ومن أمثلتها:
- السباحة والتمارين المائية:
يساعد الماء على دعم الجسم، وقد يتحمل الماء ما يصل إلى 90% من وزن الجسم.
- ركوب الدراجة:
قد يكون مفيدًا للمفاصل، وخاصة مفاصل الركبة.
- تاي تشي:
يعتمد على حركات لطيفة وتقنيات التنفس، وتشير الأبحاث إلى أنه قد يكون فعالًا بقدر العلاج الطبيعي لدى المصابين بخشونة الركبة.
- اليوغا:
يمكن أن تساعد على تقوية العضلات المحيطة بالمفاصل وتحسين المرونة.
- المشي:
ويمكن أن يكون المشي على أسطح غير مستوية، مثل العشب أو الحصى أو المسارات الطبيعية، مفيدًا للحفاظ على الإحساس بوضعية الجسم.
المشي على الأسطح غير المستوية قد يدعم التوازن
يحظى المشي بأهمية خاصة لأنه لا يحتاج إلى معدات معقدة ويمكن دمجه بسهولة في الحياة اليومية، وفي دراسة حديثة وجدالباحثون أن التدريب على الأسطح غير المستقرة يحسن التحكم في وضعية الجسم لدى كبار السن.
كما أظهرت مراجعة منهجية أخرى أن التمارين التي تتحدى قدرة الشخص على الحفاظ على توازنه أدت إلى انخفاض معدلات السقوط بنحو 23%، وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن السقوط يمثل السبب الرئيسي للوفاة الناتجة عن الإصابات لدى البالغين الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا.
البدء تدريجيًا يقلل مخاطر التمارين
لا تحتاج تمارين تحسين حركة المفاصل إلى معدات خاصة، إذ يمكن البدء بالمشي لفترة قصيرة على العشب أو الرمل أو الحصى بدلًا من الأسطح الصلبة. كما يمكن تدريب التوازن بالوقوف على ساق واحدة لمدة 30 ثانية لكل ساق على أرضية ثابتة، ثم زيادة التحدي تدريجيًا باستخدام سطح أكثر ليونة، مثل منشفة مطوية أو وسادة إسفنجية، مع إتقان كل مرحلة قبل الانتقال إلى التالية.
السلامة تبقى أولوية عند تدريب المفاصل
رغم فوائد النشاط البدني، لا يخلو أي تمرين من المخاطر، لذلك يجب إعطاء الأولوية للسلامة، خصوصًا لدى كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون مشكلات في الحركة، ويُنصح بممارسة تمارين التوازن بالقرب من شيء يمكن الإمساك به عند الحاجة، مثل مقعد أو سطح ثابت. كما يمكن استخدام عصي المشي أثناء المشي في الخارج لتوفير دعم إضافي.
ومن المهم أيضًا تجنب ممارسة التمارين على الأسطح غير المستقرة عند الشعور بالتعب، لأن انخفاض القدرة على التحكم بالحركة قد يزيد خطر السقوط.
الحركة والنشاط أفضل من الكسل والخمول
تشير هذه الأدلة إلى أن تآكل المفاصل المرتبط بالتقدم في العمر ليس سببًا كافيًا للتوقف عن الحركة. وعلى العكس، يمكن للنشاط البدني المناسب أن يساعد على تحريك السائل الزليلي، وتقوية العضلات الداعمة للمفصل، وتحسين التوازن والإحساس بوضعية الجسم.
لذلك، فإن الخطأ الشائع ليس الحركة بحد ذاتها، وإنما تجنب النشاط تمامًا أو ممارسة تمارين لا تتناسب مع قدرة المفاصل. ويبقى اختيار النشاط المناسب، والبدء تدريجيًا، والحفاظ على الوضعية الصحيحة، والاستعانة بالمختص عند الحاجة، من أهم الطرق للاستفادة من الرياضة مع تقليل الضغط على المفاصل.