ما نعرفه عن فيتامين C قد لا يكون القصة كاملة، ارتبط فيتامين سي لعقود بدعم المناعة، لكن الأبحاث الحديثة تدرس له دورًا مختلفًا تمامًا. فقد وجد الباحثون أن الجرعات العالية جدًا التي تُعطى عبر الوريد قد تؤثر في الخلايا السرطانية بطرق لا تحققها الأقراص التقليدية، مما أعاد فتح باب البحث في إمكاناته كعلاج مساعد للسرطان.
من أين جاءت فكرة فيتامين C لمحاربة السرطان؟
بدأ الاهتمام باستخدام فيتامين C في علاج السرطان قبل عقود، ويرتبط ذلك بالعالم الأمريكي لينوس بولينغ، الحائز على جائزة نوبل، الذي تعاون مع الطبيب الاسكتلندي إيوان كاميرون لاختبار تأثير الجرعات العالية من فيتامين C لدى مرضى يعانون سرطانات متقدمة لا تستجيب للعلاجات المتاحة آنذاك، وأعطى الباحثان المرضى فيتامين C عبر الوريد أولًا، ثم استكملا العلاج بالأقراص، وأشارا في تقاريرهما إلى أن بعض المرضى عاشوا لفترة أطول وشهدوا تحسنًا في حالتهم مقارنة بمرضى آخرين لم يتلقوا هذا العلاج.
لكن عندما حاولت دراسات لاحقة اختبار هذه النتائج باستخدام تجارب أكثر دقة ومنهجية، لم تتمكن من تأكيد الفائدة نفسها، مما أدى إلى تراجع الاهتمام بهذه الفكرة لسنوات، قبل أن تعود إلى الواجهة مجددًا مع ظهور أبحاث حديثة تركز على الفرق بين إعطاء فيتامين C عبر الوريد وتناوله عن طريق الفم.
المشكلة لم تكن في فيتامين C بل في طريقة استخدامه!
أجرت Mayo Clinic تجربتين سريريتين كبيرتين لاختبار تأثير فيتامين C لدى مرضى السرطان، لكن النتائج لم تُظهر أي فائدة لتناول الفيتامين على شكل أقراص في إطالة عمر المرضى مقارنة بمن لم يتناولوه. لذلك، اعتبر كثير من أطباء الأورام أن فكرة استخدام فيتامين C لعلاج السرطان لا تستند إلى أدلة كافية.
لكن لاحقًا، لفت الباحثون الانتباه إلى اختلاف مهم بين هذه التجارب والدراسات الأولى التي أثارت الاهتمام بالفيتامين. ففي حين استخدم لينوس بولينغ وإيوان كاميرون في البداية الجرعات الوريدية قبل الانتقال إلى الأقراص، اعتمدت تجارب Mayo Clinic على الأقراص فقط.
كيف تتحول الجرعات العالية من فيتامين C إلى سلاح ضد الخلايا السرطانية؟
تشير الدراسات المخبرية إلى أن الجرعات الوريدية العالية جدًا من فيتامين C قد تعمل بطريقة مختلفة عن الجرعات الغذائية المعتادة. فبدلًا من أن يؤدي دور مضاد الأكسدة المعروف، قد يحفز إنتاج بيروكسيد الهيدروجين، وهو مركب تفاعلي قادر على إحداث ضرر داخل الخلايا.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في الخلايا السرطانية، لأنها تكون أصلًا تحت ضغط بيولوجي كبير نتيجة انقسامها السريع، ونموها في بيئات فقيرة بالأكسجين، وارتفاع مستويات الجزيئات التفاعلية داخلها. لذلك، قد تعجز بعض هذه الخلايا عن مقاومة الزيادة الإضافية في الإجهاد التأكسدي، مما قد يؤدي إلى تلف الحمض النووي، واضطراب إنتاج الطاقة، وفي النهاية موت الخلية.
في المقابل، تمتلك الخلايا السليمة عادةً أنظمة دفاع أكثر كفاءة لمواجهة هذا النوع من الإجهاد، وهو ما قد يفسر سبب اهتمام الباحثين بإمكانية استهداف الخلايا السرطانية بدرجة أكبر من الخلايا الطبيعية، ولهذا السبب، يدرس العلماء حاليًا فيتامين C الوريدي بجرعات عالية بوصفه عاملًا دوائيًا محتملاً، وليس مجرد مكمل غذائي، مع التأكيد على أن هذه النتائج ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية لإثبات فعاليتها.
فيتامين C قد يؤثر في السرطان بطرق أكثر تعقيدًا
تشير الأبحاث إلى أن فيتامين C قد يؤثر في الخلايا السرطانية بآليات تتجاوز دوره المحتمل في زيادة الإجهاد التأكسدي. فقد لاحظ الباحثون أنه يشارك في عمل إنزيمات تنظم نشاط الحمض النووي، كما يؤثر في عمليات مهمة، مثل انقسام الخلايا واستجابتها لنقص الأكسجين.
وتقترح بعض الدراسات المخبرية أن ارتفاع تركيزات فيتامين C قد يبطئ نمو بعض الخلايا السرطانية أو يجعلها أكثر حساسية لبعض العلاجات، مما قد يعزز فاعليتها، كما توجد مؤشرات أولية على أن فيتامين C قد يساعد الجهاز المناعي على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها بصورة أفضل.
من المختبر إلى المرضى.. ماذا كانت النتائج؟
رغم النتائج الواعدة التي أظهرتها الدراسات المخبرية، لا تزال الأدلة لدى البشر محدودة. فقد اختبرت عدة دراسات صغيرة الجرعات العالية من فيتامين C عبر الوريد لدى مرضى يعانون أنواعًا مختلفة من السرطان يصعب علاجها، مثل سرطان المبيض، وسرطان البنكرياس، وبعض أورام الدماغ، وأشارت هذه الدراسات إلى أن إعطاء الفيتامين بجرعات مرتفعة عدة مرات أسبوعيًا كان مقبولًا من ناحية التحمل لدى كثير من المرضى، إلا أن ذلك لا يعني أنه مناسب أو آمن للجميع.
ويحذر الباحثون من أن هذا العلاج قد يشكل مخاطر لدى بعض الفئات، خاصة الأشخاص الذين يعانون ضعفًا في وظائف الكلى أو اضطرابات وراثية نادرة. لذلك، لا ينبغي النظر إلى فيتامين C الوريدي باعتباره إجراءً بسيطًا أو وسيلة لتعزيز المناعة، بل علاجًا تجريبيًا يجب أن يُستخدم تحت إشراف طبي وفي إطار دراسات أو بروتوكولات علاجية مناسبة.
هل يمكن أن يعزز فيتامين C فعالية العلاج الكيميائي؟
بدأ الباحثون أيضًا في دراسة ما إذا كان الجمع بين فيتامين C الوريدي والعلاج الكيميائي يمكن أن يقدم فائدة إضافية. وتشير بعض الدراسات إلى احتمال أن يساعد هذا النهج بعض المرضى على العيش لفترة أطول أو تحمل العلاج بصورة أفضل، بينما لم تجد دراسات أخرى فائدة واضحة.
وتبقى المشكلة أن معظم هذه الدراسات كانت صغيرة ومتباينة من حيث أنواع السرطان والجرعات والعلاجات المستخدمة، ولذلك لا يمكن حتى الآن استخلاص نتيجة نهائية حول قدرة فيتامين C الوريدي على إطالة حياة مرضى السرطان. ولكن المفاجأة كانت أن بعض المرضى الذين تلقوا فيتامين C إلى جانب العلاج الكيميائي أبلغوا عن انخفاض التعب والألم وبعض الآثار الجانبية، مثل الغثيان.
فيتامين C ما زال علاجًا تجريبيًا للسرطان رغم النتائج الواعدة
بالرغم من النتائج المخبرية والدراسات البشرية المبكرة، لا توجد حتى الآن تجارب عشوائية كبيرة وحاسمة تثبت أن الجرعات العالية من فيتامين C الوريدي تطيل حياة معظم مرضى السرطان. لذلك، يُنظر إلى هذا النهج حاليًا باعتباره علاجًا تجريبيًا واعدًا يحتاج إلى مزيد من الدراسة، وليس بديلًا عن العلاج الكيميائي أو العلاج المناعي أو الجراحة أو غيرها من العلاجات المثبتة.
كما أن إعطاء جرعات عالية من فيتامين C عن طريق الوريد يجب أن يتم تحت إشراف طبي، خصوصًا أن بعض المرضى قد يكونون أكثر عرضة للمضاعفات.