جزيئات البلاستيك الدقيقة قد تهدد فعالية المضادات الحيوية!

جزيئات البلاستيك الدقيقة قد تهدد فعالية المضادات الحيوية!

يبدو أن مخاطر جزيئات البلاستيك الدقيقة لا تقتصر على تلويث البيئة فحسب، فقد أشارت دراسات سابقة إلى ارتباطها بمشكلات صحية قد تؤثر في القلب، والخصوبة، والجهاز التنفسي. أما الآن، فتكشف أبحاث جديدة أنها قد تهدد أيضًا أحد أهم إنجازات الطب الحديث، إذ يبدو أنها توفر بيئة تساعد البكتيريا على تطوير مقاومة للمضادات الحيوية بسرعة أكبر، مما قد يزيد صعوبة علاج بعض أنواع العدوى في المستقبل.

العلاقة الخفية بين البلاستيك الدقيق ومقاومة المضادات الحيوية

تُعرف مقاومة مضادات الميكروبات بأنها قدرة البكتيريا على البقاء والتكاثر رغم التعرض للمضادات الحيوية التي كانت تقضي عليها سابقًا، وهي أزمة صحية عالمية ترتبط بنحو 5 ملايين وفاة سنويًا.

وخلال السنوات الأخيرة، بدأ الباحثون يكتشفون علاقة محتملة بين هذه الظاهرة وتلوث البيئة بجزيئات البلاستيك الدقيقة. إذ تستطيع البكتيريا الالتصاق بسرعة بأسطح هذه الجزيئات، مكوِّنة تجمعات تُعرف باسم الأغشية الحيوية (Biofilms).

وتعمل هذه الأغشية كطبقة واقية تحيط بالبكتيريا، مما يحد من وصول المضادات الحيوية إليها، ويزيد فرص بقائها على قيد الحياة، ويمنحها وقتًا أكبر لتطوير آليات مقاومة للعلاج.

دراسة: البلاستيك زاد مقاومة البكتيريا 100 ضعف

في دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة بوسطن، عرّض الفريق بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) لجزيئات البلاستيك الدقيقة لمدة 10 أيام، ثم اختبروا مدى استجابتها لأربعة مضادات حيوية شائعة.

وأظهرت النتائج أن قدرة البكتيريا على تحمل تأثير المضادات الحيوية ارتفعت بما يصل إلى 100 ضعف مقارنة بالبكتيريا التي لم تتعرض لجزيئات البلاستيك الدقيقة، وهو ما وصفه الباحثون بأنه مؤشر مقلق قد يكشف عن دور محتمل للتلوث البلاستيكي في تسريع تطور مقاومة المضادات الحيوية.

كيف يساعد البلاستيك الدقيق البكتيريا على مقاومة العلاج؟

يوضح الباحثون أن جزيئات البلاستيك الدقيقة لا تقتصر على حمل البكتيريا، بل توفر لها أيضًا بيئة تساعد على تكوين أغشية حيوية أكثر سماكة ومتانة مقارنة بتلك التي تتشكل على الأسطح الطبيعية.

وتعمل هذه الأغشية كحاجز واقٍ، إذ تحد من وصول المضادات الحيوية إلى البكتيريا، فلا تصل إليها إلا كميات غير كافية للقضاء عليها بالكامل، لكنها تكون كافية لتحفيزها على تطوير آليات دفاعية تجعلها أكثر مقاومة للعلاج.

ويشبه الباحثون هذه الظاهرة بما يحدث عند عدم إكمال الجرعة الموصوفة من المضاد الحيوي؛ إذ تتعرض البكتيريا لتركيزات منخفضة من الدواء، مما يمنحها فرصة للتكيف واكتساب المقاومة بدلًا من القضاء عليها.

البلاستيك قد يسرّع انتشار الجينات المقاومة للأدوية

لم يقتصر تأثير جزيئات البلاستيك الدقيقة على تعزيز تكوين الأغشية الحيوية، بل تشير الأبحاث إلى أنها قد تسرّع انتقال الجينات المسؤولة عن مقاومة المضادات الحيوية بين البكتيريا، ففي دراسة أجراها باحثون من جامعة أكسفورد، تبين أن التعرض لجزيئات البلاستيك الدقيقة قد يرفع معدل انتقال الجينات المقاومة بين البكتيريا بما يصل إلى 200 مرة.

ويرجح الباحثون أن البكتيريا تتعامل مع البلاستيك بوصفه عاملًا ضاغطًا أو مهددًا، مما يدفعها إلى تنشيط ما يُعرف بـجينات الاستجابة للطوارئ (SOS genes). ولا تقتصر وظيفة هذه الجينات على إصلاح الحمض النووي المتضرر، بل تسهم أيضًا في تعزيز تبادل الجينات المقاومة بين الخلايا البكتيرية، وهو ما قد يسرّع انتشار مقاومة المضادات الحيوية.

أي أنواع البلاستيك تشكل خطرًا أكبر؟

تشير الدراسات إلى أن تأثير جزيئات البلاستيك الدقيقة في مقاومة المضادات الحيوية قد يختلف باختلاف نوع البلاستيك. فقد وجد الباحثون أن البولي إيثيلين، المستخدم على نطاق واسع في مواد التغليف، والبوليسترين الممدد، الشائع في مواد التعبئة والتغليف، يهيئان بيئة أكثر ملاءمة لتكوين الأغشية الحيوية مقارنة ببعض الأنواع الأخرى.

كما أوضحت الأبحاث أن تعرض البلاستيك لأشعة الشمس والعوامل البيئية مع مرور الوقت يجعله أكثر خشونة، مما يزيد من مساحة سطحه ويمنح البكتيريا فرصًا أكبر للالتصاق به وتكوين الأغشية الحيوية، وهو ما قد يسهم في تعزيز تطور مقاومة المضادات الحيوية.

هل يحمل غذاؤنا بكتيريا مقاومة للمضادات؟

يحذر الباحثون من احتمال أن تنتقل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية عبر السلسلة الغذائية. إذ قد تبتلع بعض الكائنات البحرية، مثل بلح البحر والمحاريات، جزيئات البلاستيك الدقيقة أثناء تغذيتها، وهو ما قد يتيح للبكتيريا المقاومة أو للجينات المسؤولة عن مقاومتها الانتقال عبر الغذاء.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه الفرضية لا تزال قيد الدراسة، وأن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لمعرفة مدى حدوث هذا الانتقال وتأثيره الفعلي في صحة الإنسان.

ثغرة قد تساعد على انتشار مقاومة المضادات الحيوية

رغم أن محطات معالجة مياه الصرف الصحي الحديثة تزيل نسبة كبيرة من البكتيريا، وبقايا المضادات الحيوية، وجزيئات البلاستيك الدقيقة، فإنها لا تستطيع التخلص منها بالكامل.

ونتيجة لذلك، قد تصل كميات صغيرة من البلاستيك الدقيق، وبقايا المضادات الحيوية، والجينات المقاومة إلى الأنهار والبحار، مما قد يوفر بيئات مناسبة لاستمرار تطور البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية وانتشارها في البيئة.

الخلاصة: خطر محتمل يستدعي مزيدًا من الأبحاث

تشير الأدلة الحالية إلى أن جزيئات البلاستيك الدقيقة لا تقلل فعالية المضادات الحيوية داخل جسم الإنسان بشكل مباشر، لكنها قد تهيئ بيئة تساعد البكتيريا على تطوير مقاومة للمضادات الحيوية بوتيرة أسرع، وهو ما قد يزيد من صعوبة علاج بعض أنواع العدوى في المستقبل.

ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقق، داعين إلى إجراء دراسات إضافية لفهم تأثير البلاستيك الدقيق في ميكروبيوم الإنسان، وتحديد مدى مساهمته الفعلية في تفاقم أزمة مقاومة مضادات الميكروبات على المدى الطويل.

هل وجدت هذا المحتوى الطبي مفيدا؟

حاصلة على درجة البكالوريوس في دكتور الصيدلة. 

[1] Eco-business. Microplastics could accelerate antibiotic resistance, studies find. Retrieved on the 14th of July 2026.

[2] Siddique, A., Hubab, M., Rasheela, A. R. P., Samad, R., Al-Ghouti, M., Sayadi, S., & Zouari, N. (2025). Microplastics and their role in the emergence of antibiotic resistance in bacteria as a threat for the environment. Environmental Chemistry and Ecotoxicology, 7, 614–622. https://doi.org/10.1016/j.enceco.2025.03.006.

تنبيه

المعلومات الطبية الموجودة على هذه الصفحة تهدف إلى التثقيف العام فقط، ولا تُعد بديلاً عن الاستشارة الطبية. يمكنك الوثوق بخبرة أطباء منصة الطبي المعتمدين للحصول على استشارة طبية دقيقة وشخصية عبر خدمات الرعاية الصحية عن بُعد، المتوفرة على مدار الساعة.

آخر مقاطع الفيديو من أطباء متخصصين

أحدث الفيديوهات الطبية

عرض كل الفيديوهات الطبية