هل يسبب التلفاز تعفن الدماغ؟ دراسة تكشف الحقيقة

هل يسبب التلفاز تعفن الدماغ؟ دراسة تكشف الحقيقة

يقضي كثيرون ساعات طويلة أمام التلفاز دون التفكير في تأثير ذلك على صحة الدماغ، لكن دراسة جديدة نشرتها مجلة (Alzheimer's & Dementia: The Journal of the Alzheimer's Association) كشفت حقائق خطيرة، بعدما ربطت بين كثرة مشاهدة التلفاز في منتصف العمر وتغيرات في بنية الدماغ قد ترتبط بمرض ألزهايمر والخرف، خاصة لدى الرجال. فهل يعني ذلك أن التلفاز يسبب تعفن الدماغ أو يزيد خطر الخرف؟ إليك ما كشفته الدراسة، وما الذي تعنيه هذه النتائج فعلًا.

دراسة امتدت لنحو 24 عامًا تكشف ما حدث لأدمغة المشاركين

اعتمد الباحثون على بيانات أكثر من 1700 شخصًا شاركوا في دراسة أمريكية طويلة الأمد تُعرف باسم دراسة مجتمعات تصلب الشرايين (ARIC). كان المشاركون في بداية الخمسينيات من أعمارهم تقريبًا عند بدء جمع البيانات في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وقدموا معلومات عن مقدار الوقت الذي يقضونه في مشاهدة التلفاز خلال أوقات الفراغ، إضافة إلى الوقت الذي يمضونه جالسين أثناء العمل. وبعد مرور نحو 24 عامًا، عندما أصبح المشاركون في منتصف السبعينيات من أعمارهم تقريبًا، خضعوا لتصوير الدماغ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI).

ركز الباحثون على مناطق دماغية معروفة بأنها قد تتأثر بالتغيرات المبكرة المرتبطة بمرض ألزهايمر وأنواع الخرف الأخرى، كما درسوا حجم فرط الإشارة في المادة البيضاء (White Matter Hyperintensities)، وهي تغيرات تظهر في صور الرنين المغناطيسي وترتبط بأمراض الأوعية الدموية الصغيرة في الدماغ، وقد ترتبط أيضًا بزيادة خطر التراجع المعرفي والخرف.

كثرة مشاهدة التلفاز ارتبطت بتغيرات ذات علاقة بألزهايمر

أظهرت نتائج الدراسة أن الرجال الذين اعتادوا قضاء وقت طويل في مشاهدة التلفاز خلال منتصف العمر كانوا، بعد نحو 24 عامًا، أكثر عرضة لانكماش بعض مناطق الدماغ التي تتأثر مبكرًا بمرض ألزهايمر، كما ظهرت لديهم مؤشرات أكبر على تغيرات دماغية مرتبطة بالتراجع المعرفي والخرف.

في المقابل، لم يُلاحظ هذا الارتباط لدى الأشخاص الذين أمضوا فترات طويلة جالسين أثناء العمل المكتبي. بل أشارت بعض المؤشرات التي قيّمها الباحثون إلى أن بنية أدمغتهم كانت أفضل مقارنة بمن قضوا وقتًا طويلًا أمام التلفاز، وهو ما يشير إلى أن نوع النشاط الذي يُمارس أثناء الجلوس قد يكون أكثر أهمية من مدة الجلوس وحدها. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن العمل المكتبي يحمي من الخرف، وإنما تعكس ارتباطًا يحتاج إلى مزيد من الدراسة لفهم أسبابه.

الرجال كانوا الأكثر تأثرًا بكثرة مشاهدة التلفاز

من أبرز نتائج الدراسة أن الارتباط بين كثرة مشاهدة التلفاز والتغيرات في بنية الدماغ كان أكثر وضوحًا لدى الرجال مقارنة بالنساء. ومع ذلك، لا يعرف الباحثون حتى الآن السبب الحقيقي وراء هذا الاختلاف.

ويطرح الباحثون عدة تفسيرات محتملة، منها اختلاف الطريقة التي يقضي بها الرجال والنساء أوقات الجلوس، أو اختلاف نمط مشاهدة التلفاز؛ فقد يميل بعض الرجال إلى مشاهدة المباريات أو الأفلام لساعات متواصلة، في حين قد تكون مشاهدة النساء للتلفاز موزعة على فترات أقصر، حتى وإن كان إجمالي وقت المشاهدة متقاربًا.

كما قد تسهم عوامل أخرى، مثل الاختلافات الهرمونية، وأنماط الحياة، والمسؤوليات الأسرية، أو الفروق البيولوجية المرتبطة بشيخوخة الدماغ، في تفسير هذا التباين بين الجنسين، ورغم ذلك، يشدد الباحثون على أن جميع هذه التفسيرات لا تزال فرضيات، إذ لم تصمم الدراسة لاختبار أسباب هذا الاختلاف، لذلك لا يمكن اعتبار أي منها سببًا مؤكدًا للنتائج التي توصلت إليها الدراسة.

هل التلفاز هو السبب؟ ما الذي تثبته الدراسة؟

على الرغم من أن نتائج الدراسة أثارت اهتمامًا واسعًا، فإنها لا تثبت أن مشاهدة التلفاز تسبب مباشرةً صغر حجم الدماغ أو الإصابة بمرض ألزهايمر أو الخرف. فالدراسة من النوع الرصدي، أي إنها تكشف وجود ارتباط بين كثرة مشاهدة التلفاز في منتصف العمر وبعض التغيرات التي ظهرت في بنية الدماغ بعد سنوات، لكنها لا تستطيع إثبات أن أحدهما هو السبب المباشر للآخر.

كما اعتمدت الدراسة على تقديرات المشاركين أنفسهم للوقت الذي يقضونه في مشاهدة التلفاز أو الجلوس أثناء العمل، وليس على قياسات موضوعية ومستمرة، وهو ما قد يؤثر في دقة النتائج. كذلك، قد تكون هناك عوامل أخرى لم تُقاس بصورة كاملة، مثل العادات الغذائية المصاحبة لمشاهدة التلفاز، واستهلاك الكحول، والقيلولة، أو حتى وضعية الجلوس، وهي جميعها قد تؤثر في صحة الدماغ.

ورغم هذه القيود، تكتسب الدراسة أهمية خاصة بفضل فترة المتابعة الطويلة التي امتدت لنحو 24 عامًا، إضافة إلى اعتمادها على التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لتقييم التغيرات في بنية الدماغ، بدلًا من الاكتفاء باختبارات الذاكرة والقدرات الإدراكية، مما يمنح نتائجها قيمة علمية أكبر، مع الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيدها وفهم أسبابها.

هل يمكن للأنشطة الذهنية أن تقلل أضرار الجلوس لمدة طويلة؟

تشير نتائج الدراسة إلى أن طبيعة النشاط الذي يُمارس أثناء الجلوس قد تكون عاملًا مهمًا. فالأنشطة التي تتطلب تركيزًا وتفاعلًا ذهنيًا مستمرًا قد تساعد في بناء ما يُعرف بالاحتياطي المعرفي، وهو قدرة الدماغ على التكيف ومقاومة بعض التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر.

ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن العمل المكتبي أو الأنشطة الذهنية تحمي من الخرف، كما لا تثبت أن مشاهدة التلفاز تؤدي حتمًا إلى الإصابة به. فالدراسة رصدت ارتباطات إحصائية، ولم تختبر تأثير الأنشطة الذهنية بصورة مباشرة.

وتدعم أبحاث أخرى أهمية الحفاظ على نشاط الدماغ من خلال ممارسات مثل القراءة، وحل الألغاز، وتعلم مهارات جديدة، وممارسة الحرف اليدوية، والتفاعل الاجتماعي، إذ قد تسهم هذه الأنشطة في دعم صحة الدماغ. لكن لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى تأثيرها في تقليل خطر الخرف أو إبطاء التراجع المعرفي.

ما الذي يمكن فعله لحماية صحة الدماغ؟

لا تعني هذه الدراسة ضرورة التخلي عن مشاهدة التلفاز تمامًا، لكنها تضيف سببًا آخر للتفكير في كيفية قضاء أوقات الفراغ. ومن المفيد اتباع مجموعة من العادات التي تدعم صحة الدماغ، ومنها:

  • تجنب قضاء ساعات طويلة متواصلة أمام التلفاز.
  • أخذ فواصل منتظمة من الجلوس والحركة خلال اليوم.
  • ممارسة النشاط البدني بانتظام وفق القدرة الصحية.
  • تخصيص وقت لأنشطة تتطلب التفكير والتعلم وحل المشكلات.
  • الحفاظ على نظام غذائي متوازن وصحي.
  • الحصول على قسط كاف من النوم.
  • الحفاظ على التفاعل الاجتماعي وممارسة الأنشطة التي تجمع بين التواصل والتحفيز الذهني.
هل وجدت هذا المحتوى الطبي مفيدا؟

حاصلة على درجة البكالوريوس في دكتور الصيدلة. 

[1] Starre Julia Vartan. Bad News For Bingers: Watching Too Much TV Linked to Smaller Brain Volume. Retrieved on the 26th of July 2026.

[2] Feter, N., Nanda, A., Hourihan, S., Aslan, D., Feter, J., Sayre, M. K., Bharadwaj, P. K., Ally, M., Song, H., Arora, A., Maltagliati, S., Lai, M. H. C., Wilcox, R. R., Klimentidis, Y. C., Alexander, G. E., & Raichlen, D. A. (2026). Associations of distinct sedentary behaviors with cortical, subcortical, and white matter hyperintensity volumes: Evidence from the ARIC study. Alzheimer S & Dementia, 22(7), e71582. https://doi.org/10.1002/alz.71582.

تنبيه

المعلومات الطبية الموجودة على هذه الصفحة تهدف إلى التثقيف العام فقط، ولا تُعد بديلاً عن الاستشارة الطبية. يمكنك الوثوق بخبرة أطباء منصة الطبي المعتمدين للحصول على استشارة طبية دقيقة وشخصية عبر خدمات الرعاية الصحية عن بُعد، المتوفرة على مدار الساعة.

آخر مقاطع الفيديو من أطباء متخصصين

أحدث الفيديوهات الطبية

عرض كل الفيديوهات الطبية