متى يبدأ الجسم فعليًا بفقدان قوته ولياقته البدنية؟ سؤال أثار فضول الرياضيين والعلماء لسنوات، والآن، تقدم دراسة سويدية امتدت لنحو 47 عامًا إجابة قد تفاجئ الكثيرين، إذ حددت العمر الذي تبدأ فيه القوة العضلية واللياقة البدنية بالتراجع تدريجيًا. فمتى يبدأ الجسم بفقدان قدراته البدنية فعلًا؟ وهل يمكن للرياضة أن تعكس ذلك حتى لو بدأ الشخص بممارستها في مراحل متقدمة من العمر؟
47 عامًا من المتابعة تكشف الإجابة
أجرى الدراسة باحثون من معهد كارولينسكا ضمن مشروع النشاط البدني واللياقة البدنية السويدي (SPAF)، ونُشرت في مجلة Journal of Cachexia, Sarcopenia and Muscle. وتُعد الدراسة من بين الأبحاث النادرة التي تابعت المشاركين لفترة طويلة جدًا؛ إذ شملت 427 رجلًا وامرأة من عامة السكان في السويد؛ حيث خضعوا لاختبارات دورية لقياس اللياقة البدنية والقوة العضلية والتحمل بدءًا من سن 16 عامًا وحتى عمر 63 عامًا، على مدار 47 عامًا من المتابعة المستمرة.
القوة واللياقة البدنية لا تختفيان فجأة!
أظهرت نتائج الدراسة أن فقدان القوة وتراجع اللياقة البدنية لا يحدث بشكل مفاجئ مع التقدم في العمر، بل يبدأ تدريجيًا بعد الوصول إلى ذروة الأداء البدني في مرحلة الشباب وبدايات منتصف العمر. وقد رصد الباحثون بداية هذا التراجع في سن 35 عامًا تقريبًا؛ حيث تنخفض القدرات البدنية بشكل بطيء في البداية قبل أن تصبح وتيرة التراجع أسرع مع مرور السنوات.
كما بيّنت النتائج أن اللياقة الهوائية والقوة العضلية والتحمل العضلي تأثرت جميعها بالنمط نفسه، إذ شهدت انخفاضًا تدريجيًا ومتواصلًا مع التقدم في العمر.
الأرقام تكشف حجم التغير
عند تحليل نتائج المشاركين على مدى عقود المتابعة، وجد الباحثون أن القدرات البدنية الإجمالية تراجعت بنسبة تراوحت بين 30- 48% مقارنة بمستوياتها في بداية الدراسة. كما أظهرت البيانات أن هذا الانخفاض لم يكن ثابتًا مع مرور الوقت؛ إذ بدأ بشكل تدريجي وبطيء، ثم تسارعت وتيرته مع التقدم في العمر.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تفسر سبب ملاحظة كثير من الأشخاص لتراجع أكثر وضوحًا في القوة واللياقة البدنية خلال المراحل المتقدمة من العمر مقارنة بسنوات الشباب.
لماذا تتراجع القوة مع التقدم في العمر؟
يرى الباحثون أن تراجع القوة واللياقة البدنية لا يحدث فجأة، بل ينتج عن سلسلة من التغيرات البيولوجية التي تبدأ تدريجيًا قبل سنوات من ملاحظة آثارها بشكل واضح. وتشمل هذه التغيرات انخفاض الكتلة العضلية بمرور الوقت، وتبدلات في تركيب الألياف العضلية، إضافة إلى تراجع كفاءة الجهاز العصبي في تحفيز العضلات على العمل بالكفاءة نفسها.
كما تلعب التغيرات الهرمونية والاستقلابية المصاحبة للتقدم في العمر دورًا مهمًا في هذه العملية، ما يساهم تدريجيًا في انخفاض القوة والقدرة البدنية مع مرور السنوات.
الرياضة تصنع الفرق حتى بعد سنوات من الكسل
رغم أن الدراسة حددت سنًا تقريبيًا لبدء تراجع القوة واللياقة البدنية، إلا أنها كشفت أخبارًا مشجعة أيضًا؛ فقد أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين زادوا من مستوى نشاطهم البدني خلال مرحلة البلوغ تمكنوا من تحسين قدراتهم البدنية بنسبة تراوحت بين 5- 10%، حتى لو سبق ذلك سنوات من قلة الحركة أو الخمول.
وتشير هذه النتائج إلى أن ممارسة الرياضة لا تستطيع إيقاف التغيرات الطبيعية المرتبطة بالتقدم في العمر بشكل كامل، لكنها قد تساعد على إبطاء هذا التراجع والحفاظ على مستويات أفضل من القوة واللياقة البدنية لفترة أطول.
ويؤكد الباحثون أن فقدان بعض القدرات البدنية مع التقدم في العمر يُعد أمرًا طبيعيًا، إلا أن الحفاظ على النشاط البدني المنتظم يظل أحد أكثر الطرق فاعلية للتخفيف من هذه التغيرات. كما يخطط الفريق البحثي لمواصلة متابعة المشاركين في السنوات المقبلة لمعرفة كيف تتطور القدرات البدنية بعد دخولهم أواخر الستينيات من العمر، ومدى تأثير النشاط البدني في مسار هذا التراجع على المدى الطويل.
الخلاصة: لا تدع الأرقام تخيفك
هذه النتائج لا تعني أن الشخص يصبح ضعيفًا ويفقد لياقته البدنية بمجرد أن يبلغ عمر 35 سنة، بل توضح أن هذه المرحلة قد تمثل بداية سلسلة من التغيرات الطبيعية والتدريجية التي تؤثر على الأداء البدني مع مرور الوقت.
أما الرسالة الأبرز، فهي أن النشاط والالتزام بممارسة الرياضة بانتظام من أفضل الطرق لتقوية الجسم، والحفاظ على لياقته وتحسين جودة الحياة مع التقدم في العمر، حتى لدى الأشخاص الذين يبدؤون بممارسة الرياضة بعد سنوات طويلة من الكسل والخمول.