هل يمكن لطريقة جلوسك أن تؤثر على مزاجك وقدرتك على اتخاذ القرارات؟ هذا ما حاول باحثون من جامعة ماكغيل معرفته؛ حيث وجدو أنّ وضعية الجسم قد يكون لها تأثير أكبر مما نتوقع في المشاعر وطريقة اتخاذ القرارات؛ فالأشخاص الذين جلسوا بوضعية مستقيمة أظهروا استعدادًا أكبر للمخاطرة، وكانت مشاعرهم إيجابية، فما السبب وراء ذلك؟
الجلوس باستقامة دفع المشاركين إلى خوض مخاطر أكبر
شارك في الدراسة نحو 200 شخص من مجتمع جامعة ماكغيل، وأراد الباحثون معرفة ما إذا كان تغيير وضعية الجسم بصورة غير مباشرة يمكن أن يؤثر في السلوك والمشاعر. ولتحقيق ذلك، لم يخبر الباحثون المشاركين بأن وضعية جلوسهم هي محور الدراسة، بل صمموا التجربة بحيث تشجع بيئة الاختبار بعضهم على الجلوس باستقامة، بينما تدفع آخرين إلى الانحناء إلى الأمام.
بعد ذلك، خضع المشاركون لاختبار يقيس اتخاذ القرارات المرتبطة بالمخاطرة؛ إذ كان عليهم نفخ بالون افتراضي للحصول على مكافآت، مع احتمال خسارة كل ما جمعوه إذا انفجر البالون، وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين جلسوا بوضعية مستقيمة كانوا أكثر ميلًا إلى المخاطرة، وفي الوقت نفسه حققوا مكافآت أكبر.
لماذا أخفى الباحثون الهدف الحقيقي للتجربة؟
حرص الباحثون في الدراسة الجديدة على تجنب مشكلة واجهت بعض الدراسات السابقة حول تأثير وضعية الجسم في المشاعر والسلوك، وهي معرفة المشاركين مسبقًا بالوضعية التي يُطلب منهم اتخاذها؛ إذ قد تجعلهم هذه المعرفة يتوقعون هدف التجربة، وبالتالي تؤثر في سلوكهم أو إجاباتهم.
وللتغلب على ذلك، لم يخبر فريق جامعة ماكغيل المشاركين بأن وضعية الجلوس هي محور الدراسة، بل صُمم مكان الاختبار بطريقة تدفع بعضهم بصورة غير مباشرة إلى الجلوس باستقامة، بينما تشجع آخرين على الانحناء إلى الأمام.
وبعد انتهاء التجربة، أظهرت المقابلات أن معظم المشاركين لم يدركوا أن الباحثين كانوا يوجهون وضعية جلوسهم. كما استعان الفريق ببرنامج لتحليل مقاطع الفيديو وقياس زاوية الرقبة للتأكد بصورة موضوعية من اختلاف وضعيات الجلوس بين المجموعات.
الجلوس باستقامة زاد الجرأة ولكن دون تهور
لا يعني ارتفاع مستوى المخاطرة بالضرورة أن المشاركين أصبحوا أكثر تهورًا. ولكن تشير النتائج إلى أنهم ربما كانوا يتخذون قرارات أكثر فعالية بدلًا من التصرف بتهور واندفاع. وهذه نقطة مهمة، لأن الهدف لم يكن معرفة ما إذا كانت الوضعية المستقيمة تجعل الشخص أكثر تهورًا، وإنما ما إذا كانت تؤثر في طريقة تعامله مع الفرص والمخاطر.
الجلوس باستقامة ارتبط بمشاعر إيجابية أكبر
لم يقتصر تأثير وضعية الجسم على أداء المشاركين في اختبار المخاطرة؛ إذ طُلب منهم أيضًا الإجابة عن مجموعة من الأسئلة المتعلقة بمشاعرهم. وشعر الأشخاص الذين جلسوا بوضعية مستقيمة بالفخر والثقة بالنفس، وهو شعور يرتبط عادة بالمزاج الإيجابي. وتشير هذه النتيجة إلى أن وضعية الجسم قد لا ترتبط بالسلوك فقط، بل يمكن أن يكون لها تأثير على الحالة العاطفية أيضًا.
ما الذي تعنيه نتائج هذه الدراسة؟
تشير النتائج إلى احتمال وجود علاقة بين وضعية الجسم والمشاعر والسلوك، لكنها لا تعني أن الجلوس باستقامة قادر على تغيير شخصية الإنسان أو حياته بشكل جذري؛ إذ أن التأثيرات التي رصدتها الدراسة كانت محدودة وظهرت في ظروف مختبرية، ولذلك لا يمكن اعتبارها دليلًا على أن تعديل وضعية الجسم سيؤدي حتمًا إلى زيادة الثقة أو السعادة أو النجاح في الحياة اليومية.
ومع ذلك، تفتح النتائج بابًا مثيرًا للبحث حول الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها التفاصيل اليومية في البيئة المحيطة بنا، مثل تصميم مكان العمل وارتفاع المكتب والكرسي ووضعية الجلوس، في المزاج والسلوك بصورة أكثر دقة مما نتصور.