يُعرف السيروتونين بهرمون السعادة؛ فهو يلعب دورًا في تنظيم المزاج، والنوم والشهية، ولكن كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة (Science Translational Medicine) عن دور غير متوقع، حيث وجد الباحثون أنّ انخفاض نشاط ناقل السيروتونين (SERT) قد يرتبط بتسارع تلف الصمام التاجي لدى الأشخاص المصابين بقلس الصمام التاجي التنكسي (Degenerative Mitral Regurgitation)، وهو حالة يحدث فيها تآكل تدريجي في أنسجة الصمام مع التقدم في العمر، مما يمنع الصمام من الانغلاق بإحكام، مما يسمح برجوع جزء من الدم إلى الأذين الأيسر أثناء انقباض القلب.
دراسة شاملة لفهم علاقة السيروتونين بصمامات القلب
للتأكد من العلاقة بين السيروتونين وتدهور الصمام التاجي، اعتمد الباحثون على نهج بحثي متكامل جمع بين الدراسات السريرية والتجارب المخبرية والحيوانية.
فقد راجع الفريق السجلات الطبية لأكثر من 9000 مريض خضعوا لجراحة إصلاح أو استبدال الصمام التاجي بسبب القلس التنكسي، كما حللوا 100 عينة من أنسجة الصمام التاجي لرصد التغيرات التي تحدث داخله.
ولفهم الآليات البيولوجية بصورة أدق، أجرى الباحثون تجارب على فئران معدلة وراثيًا تفتقر إلى ناقل السيروتونين (SERT)، إلى جانب تجارب على خلايا الصمام التاجي البشرية في المختبر. كما درسوا متغيرًا وراثيًا يُعرف باسم 5-HTTLPR، والذي يلعب دورًا في تنظيم نشاط ناقل السيروتونين داخل الخلايا، لمعرفة مدى ارتباطه بتطور المرض.
الجينات والسيروتونين قد يؤثران على تطور المرض
أظهرت نتائج الدراسة وجود ارتباط بين انخفاض نشاط ناقل السيروتونين وعدة تغيرات قد تساهم في تسارع تدهور الصمام التاجي، فقد لاحظ الباحثون أن المرضى الذين كانوا يتناولون مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وهي من أكثر مضادات الاكتئاب استخدامًا، احتاجوا إلى إجراء جراحة الصمام التاجي في عمر أصغر مقارنة بالمرضى الذين لم يستخدموا هذه الأدوية.
كما كشفت التجارب المخبرية أن انخفاض نشاط ناقل السيروتونين (SERT) ارتبط بزيادة سماكة الصمام وارتفاع إنتاج الكولاجين، وهي تغيرات قد تسرّع تطور تلف الصمام، وأضافت الدراسة أن الأشخاص الذين يحملون نسخة وراثية معينة من المتغير 5-HTTLPR كانوا أكثر عرضة للخضوع لجراحة الصمام، كما أظهرت خلايا الصمام لديهم استجابة أكبر للسيروتونين، مما يشير إلى أن العوامل الوراثية قد تلعب دورًا في سرعة تطور المرض.
هل تضر مضادات الاكتئاب بصمامات القلب؟
يشدد الباحثون على أن نتائج الدراسة لا تعني أن مضادات الاكتئاب تسبب تلف الصمام التاجي، وإنما تشير إلى وجود ارتباط بين انخفاض نشاط ناقل السيروتونين وتسارع تطور المرض لدى أشخاص كانت صماماتهم متأثرة بالفعل.
كما أوضحت النتائج أن الصمام التاجي السليم يبدو قادرًا على تحمل انخفاض نشاط ناقل السيروتونين دون ظهور تغيرات أو تشوهات واضحة.
ولذلك، يؤكد الباحثون أنه لا توجد أي أدلة تدعو المرضى إلى إيقاف مضادات الاكتئاب أو تعديل جرعاتها من تلقاء أنفسهم، وأن أي قرار يتعلق بالعلاج يجب أن يتم بالتشاور مع الطبيب المعالج.
هل تساعد الجينات في التنبؤ بتدهور الصمام التاجي؟
يرى الباحثون أن المتغير الوراثي 5-HTTLPR قد يصبح مستقبلًا أداة تساعد على تحديد المرضى الأكثر عرضة لتدهور الصمام التاجي بسرعة، وهو ما قد يتيح مراقبتهم بشكل أدق أو التخطيط للتدخل الجراحي في مرحلة مبكرة عند الحاجة.
ومع ذلك، يؤكد الفريق أن هذا الفحص الوراثي لا يُستخدم حاليًا ضمن الممارسة الطبية الروتينية، إذ لا تزال هناك حاجة إلى دراسات سريرية إضافية للتأكد من فعاليته وجدواه قبل اعتماده في تقييم المرضى واتخاذ القرارات العلاجية.
الخلاصة: هدف دوائي جديد قد يغيّر مستقبل علاج صمامات القلب
تشير دراسات أحدث إلى أن إشارات السيروتونين قد تلعب دورًا في تطور أمراض صمامات القلب الأخرى أيضًا، مما يعزز الفرضية التي توصلت إليها الدراسة الحالية.
كما حدد الباحثون مستقبلًا يُعرف باسم HTR2B بوصفه هدفًا دوائيًا واعدًا، إذ قد يساهم استهدافه مستقبلًا في الحد من تليف صمامات القلب وإبطاء تطور المرض.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تزال في مراحلها البحثية المبكرة، وتعتمد بصورة رئيسية على الدراسات المخبرية والتجارب على الحيوانات، ولم تُترجم بعد إلى علاجات معتمدة يمكن استخدامها في الممارسة الطبية.