من منا لا يحلم بالشهرة أو يسعى ليترك أثرًا معروفًا في هذه الحياة؟ ففكرة النجاح، والحب، والقبول الجماهيري تبدو مغرية جدًا، ولكن تخيّل أن هذا البريق اللامع يخفي خلفه مخاطر صحية صادمة لا نراها!
فبينما يواصل النجوم مسيرتهم تحت تصفيق الجمهور وعدسات الإعلام، تكشف دراسة حديثة أن الفنانين والمشاهير قد يعيشون حياة أقصر مقارنة بغيرهم! فلماذا الشهر تقصّر العمر؟ وهل تستحق المخاطرة؟ أم لا أضرار أخرى لا ندركها؟ إليك الإجابة!
ماذا تكشف الأرقام؟ فجوة عمرية صادمة بين الفنانين وغيرهم
حلّل باحثون من جامعة فيتن/هيرديكه الألمانية بيانات 324 مغنيًا مشهورًا و 324 مغنيًا غير مشهور ممّن نشطوا بين عامي 1950- 1990، وهي الفترة التي انتشرت خلالها أنواع مختلفة من الموسيقى، مثل الروك والديسكو. وقد كانت النتائج لافتة:
- كان متوسط عمر الفنان المشهور أقل بما يُقارب 4 سنوات مقارنةً بغير المشاهير.
- كان المغني المنفرد أكثر عرضة للوفاة المبكرة بنسبة 26%.
- زادت الشهرة من خطر الوفاة المبكرة بنسية 33%.
هذه الإحصاءات توضح أن بريق الشهرة يخفي خلفه مخاطر صحية حقيقية تلتهم العمر تدريجيًا… لكن ما الذي يقف وراء هذا التأثير؟
السر في هرمون الكورتيزول: كيف تؤثر الشهرة على صحة المشاهير؟
وراء الصور المبهرة والمقابلات اللامعة، يعيش الفنانون حالة شبه دائمة من الضغط النفسي والإجهاد المزمن يجعل أجسامهم في حالة تأهّب دائم. هذا الضغط المزمن يدفع الجسم لإفراز مستويات عالية من الكورتيزول (هرمون التوتر) لفترات طويلة، وهو ما يرتبط بسلسلة من المخاطر الصحية، أبرزها:
- ضعف الجهاز المناعي: ارتفاع الكورتيزول لفترات طويلة يعطّل قدرة الجسم على مقاومة العدوى، ما يجعل الفنانين أكثر عرضة للأمراض.
- اضطرابات النوم: من الشائع أن يُعاني المشاهير من الأرق؛ لأن ارتفاع الكورتيزول يمنع الدخول في مراحل النوم العميق.
- زيادة خطر أمراض القلب: ارتفاع الضغط النفسي المستمر يضع عبئًا إضافيًا على القلب والأوعية الدموية.
- اضطراب المزاج والصحة العقلية: الكورتيزول المرتفع يرتبط مباشرة بالقلق، الاكتئاب، ونوبات الانهيار العاطفي.
فقدان الخصوصية: هل هو أخطر مما نتخيل؟
يعيش المشاهير في عالم تراقب فيه كل خطوة وكل كلمة وكل لحظة، وفقدان الخصوصية بهذه الطريقة يرهق الجسم أكثر مما نتخيّل، للأسباب الآتية:
- يعيش المشهور حالة توترٍ دائمة بسبب خوفه من ارتكاب الأخطاء أو الانتقاد العلني.
- يفقد إحساسه بالأمان الشخصي حتى داخل منزله.
- يعاني من ضغطٍ نفسيٍ مضاعف بسبب التعليقات والشائعات والتنمر الإلكتروني.
- يعيش حياته لإرضاء الناس دون أن يكون لكيانه هوية مستقلة.
وحذر الباحثون أن هذا الخطر لم يعد يهدد المشاهير وحدهم؛ فالكثير من الأشخاص العاديين باتوا يشاركون تفاصيل حياتهم يوميًا على الإنترنت، وبعض الآباء يصوّرون أبناءهم باستمرار، ما يعرضهم لضغوط نفسية مشابهة، فمع الوقت، يشعر هؤلاء أنهم مراقَبون دائمًا وتحت مجهر الآخرين.
جداول الحفلات والسفر: عندما يصبح النجاح عدوًا للصحة
خلف الكواليس، يدفع الفنانون ثمنًا قاسيًا لجداول عمل لا تهدأ. فالحفلات المتتالية، والسفر المستمر من دولة لأخرى، والضغوطات الجسدية والنفسية للظهور بأفضل طريقة في كل مرة يُسبب المشكلات الآتية:
- اختلال الساعة البيولوجية.
- إجهاد السفر المزمن.
- الإرهاق المستمر؛ بسبب عدم حصولهم على فترات راحة.
والأسوأ أن الكثير من الشركات تضع الربح فوق كل اعتبار؛ فالمشهور بالنسبة لهم ليس إنسانًا، بل "علامة تجارية" يجب استثمارها لأقصى درجة.
الإدمان وتأثيره: الوجه المظلم للتعامل مع ضغط الشهرة
يبحث المشاهير باستمرار عن أي وسيلة تساعدهم على الهروب من الواقع بشكلٍ مؤقت، ولذلك يُعتبر الإدمان أحد أكثر الوجوه المظلمة للشهرة، وغالبًا ما يبدأ كعادة مؤقتة للتعامل مع الضغط والتوتر، قبل أن يتحول إلى حلقة يصعب الخروج منها.
وأشارت الدراسة إلى أن ضغوط الشهرة قد تدفع الفنان نحو:
- المخدرات لتحمّل الإجهاد الذهني أو السهر الطويل.
- الكحول لتخفيف التوتر أو الهروب من القلق.
- المهدئات والمنشطات لضبط المزاج قبل أو بعد الحفلات.
- الإفراط في الأدوية المسكنة بسبب الإرهاق البدني وتكرار الإصابات.
وغالبًا يبدأ الإدمان في مرحلة مبكرة من حياة المشاهير، خاصة أولئك الذين دخلوا المجال وهم صغار ولم يحصلوا على الدعم النفسي الكافي.
مقارنة صادمة: هل الشهرة أسوأ من التدخين؟
قد يبدو من غير المنطقي مقارنة التدخين والشهرة معًا، فالأول عادة ضارة معروفة عالميًا، والثانية حلم يسعى إليه الملايين.
لكن عندما قارن الباحثون الآثار الصحية لكليهما، ظهر رقم يصعب تجاهله: الشهرة تزيد خطر الوفاة المبكرة بنسبة 33%- وهو تقريبًا نفس تأثير تدخين سيجارة واحدة من حين لآخر، الأمر الذي يرفع خطر الوفاة المبكرة بنسبة 34%.
كيف يؤثر تعلق الجمهور بالمشاهير على صحتهم العقلية؟
لا تقتصر أضرار الشهرة على الفنانين وحدهم، بل تصيب متابعينهم أيضًا، فقد ذكرت دراسة حديثة أنّ الهوس بالمشاهير ومتابعة تفاصيل حياتهم على مدار الساعة قد يترك أثرًا سلبيًا على القدرات العقلية والمعرفية.
فقد وجد الباحثون أنه كلما زاد تعلق الشخص بالمشاهير واهتمامه المفرط بحياتهم، انخفضت درجاته في اختبارات الذكاء والأداء العقلي. وهو ما فسّره الباحثون بعدة عوامل، أبرزها:
- تشتت الانتباه: الانغماس في أخبار المشاهير يشغل مساحة كبيرة من الذاكرة والانتباه على حساب الأنشطة الذهنية.
- الهروب من الواقع: التركيز المفرط على حياة الآخرين يجعل الشخص أقل تفاعلًا مع حياته اليومية ومهامه العقلية.
- الإرهاق العاطفي: التعلق الشديد بالنجوم يخلق استنزافًا نفسيًا غير ملحوظ يؤثر على الذكاء والقدرات المعرفية.
نصيحة الطبي
الشهرة ليست كما نراها أو نحلم بها؛ فهي عالم معقد يخفي خلف بريقه مخاطر صحية ونفسية كبيرة. فبين الإجهاد المزمن، فقدان الخصوصية، الجداول المرهقة، واللجوء إلى الإدمان للهروب من الضغط، تُظهر الدراسات بوضوح أن الشهرة قد تُقصّر العمر بالفعل.
ولا يقف تأثيرها عند حدود النجوم، بل يمتد ليطال الجمهور الذي يستهلك حياة المشاهير لحظة بلحظة. لذلك، قد يكون من الحكمة إعادة التفكير في مدى انشغالنا بعالم الفنّانين وفضائحهم، وتوجيه اهتمامنا نحو محتوى هادف يثري عقولنا بدلًا من استنزافها.