شهد التاريخ انتشار العديد من الأوبئة، غالبًا بسبب التجمعات السكانية الكبيرة، سوء الصرف الصحي، والتغذية، بالإضافة إلى الحروب. انتهت هذه الأوبئة بطرق مختلفة، تاركةً بصمة عميقة على البشرية.
أبرز الأوبئة وكيف انتهت:
طاعون جستنيان (541 م): سببته بكتيريا "يرسينيا بيستيس"، وانتقل عبر البراغيث والفئران.
أصاب أوروبا، آسيا، شمال إفريقيا، والجزيرة العربية، مخلفًا 5 ملايين ضحية.
* انتهى على الأرجح بوجود مناعة مكتسبة لدى الناجين.
الموت الأسود (1347 م): عاد الطاعون بعد 800 عام، وقضى على حوالي 200 مليون إنسان في 4 سنوات.
أدى إلى ظهور الحجر الصحي، حيث فرضت مدينة راجوسا 30 يومًا عزلاً على البحارة، وتطورت لاحقًا إلى 40 يومًا ("كورانتينو").
الطاعون العظيم (1665-1666 م): عرف بـ "طاعون لندن"، كان من الموجات المتكررة للطاعون على مدار 300 عام.
انتهى تدريجياً مع تحسن الظروف الصحية وممارسات العزل.
الجدري: أصاب العالم الجديد بعد وصول المستكشفين، مسبباً دماراً للسكان الأصليين.
انتهى بفضل التطعيم، الذي طوره إدوارد جينر لاحقًا.
الكوليرا: انتشرت عبر المياه الملوثة، وشهدت موجات متعددة.
انتهت مع تطور أنظمة الصرف الصحي وتوفير مياه نظيفة.
شهد التاريخ القديم والحديث تفشي العديد من الجوائح والأوبئة، بسبب اتساع النشاط السكاني، وتطور الأمراض المعدية، مع سوء الصرف الصحي والتعذية نتيجة الأحوال الطبيعية كحالات القحط والجدب، ولأسباب قام بها الإنسان مثل الحروب وما يرافقها من أمراض.
لكن على الرغم من قضاء تلك الأوبئة على حياة الملايين من البشر، وإصابة عشرات الملايين ومعاناتهم، من آلام المرض حتى شفائهم، إلا أنها انتهت بأشكال مختلفة. يعرض المقال أسوأ الجوائح والأوبئة التي مرت على البشرية وكيف انتهت.
كان الطاعون وراء ثلاثة من أكثر الأوبئة فتكا بالإنسان عبر التاريخ، وتقف وراءه بكتيريا من نوع واحد، وهي يريسينا بيستيس (بالإنجليزية: Yersinia Pestis)، ويعد طاعون جستنيان أحد الأوبئة التي انتشرت مثل النار في الهشيم في أوروبا، بعد انتقاله من مصر، عبر البحر المتوسط إلى القسطنطينية (إسطنبول)، عاصمة الدولة البيزنطية، عام 541 للميلاد، وكانت البكتيريا المسببة للطاعون تعيش في البراغيث التي تعلقت بالفئران خلال نقل الحبوب من مصر، وتسبب الطاعون في هلاك القسطنطينية آنذاك، واتسعت رقعة الإصابة إلى أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا والجزيرة العربية، ووصل تعداد الضحايا إلى خمسة ملايين شخص.
وعن كيفية انتهاء طاعون جستنيان، قال أستاذ التاريخ بجامعة "دي بول" الأمريكية في شيكاغو إليونز توماس موكايتيس: "إن غالبية الناس، لم تكن قادرة على محاربة المرض في تلك الفترة". لافتا إلى أن "التخمين الأقوى أن أغلبية الناجين من المرض، كانوا يمتلكون المناعة لعدم الإصابة والبقاء على قيد الحياة".
وعاد الطاعون مجددا بعد 800 عام من طاعون جستنيان، وضرب أوروبا مباشرة عام 1347، وقتل نحو 200 مليون إنسان خلال أربعة أعوام فقط، ولم يكن مفهوم العدوى مدركاً من قبل الناس في تلك الفترة، لكن فكرة انتقال المرض بين الأشخاص بسبب اقترابهم من بعضهم، كانت معروفة، ولذلك قرر المسؤولون في مدينة راجوسا التابعة للبندقية في إيطاليا، إجراء حجر صحي على كافة البحارة الواصلين حديثاً إلى المدينة، للتأكد من عدم إصابتهم بالأمراض.
وفرض الحجر الصحي للبحارة على سفنهم لمدة 30 يوماً، والتي باتت في عرف البندقية معروفة باسم "ترينتينو"، ومع الوقت توسعت فكرة الحجر داخل البندقية نفسها، ولمدة 40 يوما، ومن هنا جاءت كلمة "كورينتينو" الإنجليزية، والتي أصبحت كلمة غربية لتعريف الحجر الصحي وبذلك انتهى وباء الطاعون الثاني.
الطاعون العظيم.. هلاك لندن
ولم يتوقف الطاعون عن العودة، بعد كل محاولة لإنهائه. وتشير كتب التاريخ إلى أنه عاد كل 20 عاماً تقريباً، منذ العام 1348 حتى العام 1640، أي قرابة 300 عام، ومع كل موجة وباء للطاعون كانت حياة 20 بالمائةتنتهي من الرجال والأطفال والنساء، الذين يعيشون في لندن.
ودفعت موجات الطاعون إنجلترا إلى فرض نواة قوانين الحجر الصحي، وعزل المرضى، مع حلول أوائل القرن السادس عشر، وجرى تمييز المنازل الموبوءة بحزمة قش معلقة على عمود خارجها، فضلا عن الطلب من أي فرد بأسرة مصابة يخرج إلى الأماكن العامة، حمل عمود أبيض، حتى يتجنبه الناس منعا لنقل المرض، وكان يعتقد أن القطط والكلاب تنقل المرض لذلك وقعت مذبحة بحقها.
أما الطاعون الكبير الذي شهدته لندن عام 1665، فقد أسفر عن مقتل 100 ألف من سكان لندن في سبعة أشهر، وفرض الحظر الكامل على الحركة، وبالقوة منع خروج المرضى من المنازل ورسمت صلبان حمراء على أبوابهم لمعرفتهم، ويعتقد أنها كانت الطريقة الوحيدة لإنهاء آخر موجة طاعون بسبب البكتيريا.
انتشر الجدري في قارات العالم، وتسبب بالكثير من الوفيات، وأحصي وفاة ثلاثة من كل عشرة أشخاص أصيبوا به على مدى قرون، مع ترك ندوب مدى الحياة لكل من أصابه ونجا منه، ووصل الجدري إلى (العالم الجديد) أمريكا، مع رحلات المستكشفين الأوروبيين، في القرن الخامس عشر، ولم يكن لدى الشعوب الأصلية في الأمريكتين مناعة طبيعية ضد الوباء، ما أسفر عن ضحايا بعشرات الملايين.
وقال أستاذ التاريخ موكايتيس، إن ما حدث في الأمريكتين بسبب الجدري، قضى على قرابة 95 بالمئة من السكان الأصليين، على مدى قرن من الزمان، وبقي الجدري يحصد البشر على مدى قرون، حتى اكتشف طبيب بريطاني يدعى إدوارد جينر، أواخر القرن الثامن عشر، لقاحا لفيروس الجدري. وتعود قصة اكتشاف اللقاح إلى سيدة تدعى سارة نيلمس، جاءت لاستشارة الطبيب جينر، بأحد الأمراض، فسألها عما إذا كانت أصيبت بالجدري، وبعد أن أكدت له تعرضها لجدري البقر، بدأ الطبيب البحث في سبب عدم إصابتها بالجدري البشري، وعثر على نوعين من جدري البقر أحدهما شبيه بما يصيب الإنسان.
هل لديك اسئلة متعلقة في هذا الموضوع؟ اسال سينا، ذكاء اصطناعي للاجابة عن كل اسئلتك الطبية
اكتب سؤالك هنا، سينا يجهز الاجابة لك
واستفاد الطبيب منه في فكرة التلقيح، وأجري الاختبار الأول عام 1796، على طفل يدعى جيمس فيبس، وكان عمره ثماني سنوات، وقام بتلقيحه بجدري البقر، وبالرغم من حصول حمى خفيفة، إلا أن الطفل نجا من التلقيح، وبعد ذلك قام الطبيب بحقنه بقيح من مرض الجدري المميت، لعدة مرات بلغت 20 محاولة، وكانت تلك اللحظة الفارقة تاريخيا للقضاء على فيروس الجدري، وأعلنت منظمة الصحة العالمية عام 1980 استئصال الجدري من العالم تماما.
الكوليرا.. الماء الملوث
كان الاعتقاد السائد في منتصف القرن التاسع عشر أن المرض الذي قتل عشرات الآلاف، ينتشر عبر الهواء الملوث، لكن أبحاث الطبيب البريطاني جون سنو، كشفت أن المرض الغامض الذي ينهي حياة مرضاه خلال الأيام الأولى من الإصابة ناتج عن مياه الشرب في لندن.
وتتبع الطبيب سنو، سجلات المستشفيات وتقارير مشارح الجثث لرسم مخطط تتبع للمرض وما إذا كان هناك رابط مشترك بين الضحايا، ليكتشف أن نحو 500 ضحية كانت تقطن بالقرب من مضخة برود ستريت في لندن.