خلال الأيام الماضية، تصدّر الحديث عن تفشٍّ مزعوم لمرض السرطان في قرية دراجيل بمحافظة المنوفية المصرية مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول منشورات ومناشدات تزعم ارتفاعًا غير مسبوق في أعداد المصابين والوفيات، وربط ذلك بتلوث مياه الشرب والمحاصيل الزراعية بمياه الصرف الصحي!
هذه المنشورات، التي انتشرت بسرعة عبر فيسبوك ومنصات أخرى، أثارت حالة من القلق والهلع بين الأهالي، قبل أن تتفاعل معها بعض وسائل الإعلام، ما دفع الجهات الصحية إلى التدخل لتوضيح الصورة.
شائعات بلا أرقام موثقة
رغم الانتشار الواسع للادعاءات المتداولة، لم تستند تلك المزاعم إلى بيانات طبية رسمية أو إحصاءات موثقة، وهو ما ساهم في تضخيم المخاوف لدى الرأي العام، خصوصًا في ظل الخلط الشائع بين زيادة التشخيص وزيادة الإصابة الفعلية بالمرض.
وزارة الصحة تكشف الأرقام الفعلية
تحركت وزارة الصحة المصرية عبر مديرية الصحة بالمنوفية للرد على ما أُثير من جدل، مؤكدة في بيان رسمي أن قرية دراجيل، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 24.5 ألف نسمة، مشمولة ببرامج الكشف المبكر عن الأورام ضمن الخطة القومية لمكافحة السرطان.
ووفق البيانات المعلنة، خضع قرابة 14 ألف مواطن لفحوصات طبية، جرى تحويل 517 شخصًا منهم إلى فحوصات تشخيصية متقدمة. وأسفرت النتائج عن تسجيل 7 حالات فقط مصابة بأورام متنوعة، في حين جاءت نتائج مئات الحالات الأخرى سلبية.
وأكدت المديرية أن هذه الأرقام تقع ضمن المعدلات الطبيعية المتوقعة، ولا تعكس أي تفشٍّ وبائي أو ارتفاع غير مبرر في معدلات الإصابة بالسرطان داخل القرية.
الكشف المبكر يفسّر ارتفاع الأرقام
يوضح مختصون أن التوسع في برامج الكشف المبكر لا يعني بالضرورة زيادة فعلية في معدلات الإصابة، بل غالبًا ما يؤدي إلى اكتشاف حالات كانت موجودة سابقًا دون تشخيص. ويشير الخبراء إلى ضرورة التمييز بين «زيادة التشخيص» و«زيادة الإصابة»، مؤكدين أن برامج الفحص المبكر تهدف أساسًا إلى تحسين فرص العلاج والشفاء، لا إلى الإشارة لوجود خطر صحي جديد.
فحوصات المياه والغذاء الميدانية تنفي وجود تلوث
في إطار احتواء المخاوف المتداولة، شكّلت السلطات الصحية لجنة متخصصة من الطب الوقائي وصحة البيئة نفذت حملة ميدانية موسعة داخل القرية. وشملت الحملة سحب عينات من محطة مياه الشرب، إلى جانب تحليل عينات غذائية من الأسواق المحلية.
وأظهرت نتائج التحاليل المعملية أن جميع العينات مطابقة للمواصفات القياسية وصالحة للاستخدام الآدمي. وفي السياق ذاته، أعلنت الجهات المختصة تحرير 26 محضر مخالفة وإغلاق 12 منشأة لعدم الالتزام بالاشتراطات الصحية والإدارية المعتمدة.
من جانبه، أكد وكيل وزارة الصحة بالمنوفية، الدكتور عمرو مصطفى، أن الفرق الطبية المتنقلة تواصل عملها داخل القرية لفحص المواطنين، مشددًا على أنّ الوحدات الصحية تعمل بكامل طاقتها لضمان سلامة الأهالي وتقديم الخدمات الطبية اللازمة، نافيًا في الوقت نفسه وجود أي «لغز صحي» يهدد سكان المنطقة.
القلق المحلي في سياق عالمي
يعكس الجدل الدائر في قرية دراجيل مخاوف عالمية أوسع بشأن السرطان، إذ تشير بيانات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان إلى احتمال ارتفاع عدد الإصابات عالميًا إلى نحو 35 مليون حالة سنويًا بحلول عام 2050.
ويرجع الخبراء هذا الارتفاع المتوقع إلى عوامل متعددة، أبرزها زيادة متوسط العمر المتوقع، وتطور أدوات التشخيص والكشف المبكر، إلى جانب انتشار عوامل الخطر المرتبطة بنمط الحياة، مثل التدخين والسمنة وقلة النشاط البدني، فضلًا عن التعرّض للتلوث البيئي.
اقرأ أيضًا: أسباب انتشار السرطان.
نصيحة الطبي
حتى الآن، لا تُظهر البيانات الرسمية أي مؤشرات على تفشٍّ غير طبيعي للسرطان في قرية دراجيل. وتؤكد الجهات الصحية أن ما أُثير من جدل يعود إلى تضخيم الأرقام وسوء تفسيرها، في سياق يشهد أصلًا ارتفاعًا عالميًا في معدلات تشخيص السرطان.
لذلك، يبقى الاعتماد على المصادر الرسمية والمعلومات الطبية الموثوقة هو السبيل الأفضل لتجنّب القلق غير المبرر والانسياق وراء الشائعات.