هل يمكن أن تبدأ بعض أخطر أمراض الدماغ من الأمعاء بدلًا من الدماغ نفسه؟ في اكتشاف يغيّر طريقة فهمنا لهذه الأمراض، تشير دراسة حديثة إلى أن بكتيريا الأمعاء قد تُنتج موادًا ضارة تحفّز الجهاز المناعي لمهاجمة الخلايا العصبية، ما قد يساهم في تطور أمراض خطيرة مثل التصلب الجانبي الضموري (ALS) والخرف الجبهي الصدغي (FTD).
اكتشاف صادم: مواد من الأمعاء قد تهاجم الدماغ
أوضح الباحثون في جامعة كيس ويسترن ريزيرف (Case Western Reserve University) أن بعض أنواع بكتيريا الأمعاء قد تُنتج مركّبات سكرية ضارّة تُعرف باسم الجليكوجين (Glycogen)، والتي يمكن أن تُحفّز الالتهاب داخل الجسم. ومع تراكم هذه المواد، قد ينشط الجهاز المناعي بشكل مفرط، مما قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالخلايا العصبية في الدماغ.
ويُعد هذا الاكتشاف مهمًا؛ لأنه يقدّم تفسيرًا جديدًا للعلاقة بين صحة الأمعاء وأمراض الدماغ، ويشير إلى أن بداية المشكلة قد تكون في الأمعاء، وليس في الدماغ فقط كما كان يُعتقد سابقًا.
مؤشر لافت: 70% من المرضى يحملون هذه العلامة!
شملت الدراسة تحليل عينات من 23 مريضًا مصابين بالتصلب الجانبي الضموري أو الخرف الجبهي الصدغي، وكشفت النتائج أن نحو 70% منهم لديهم مستويات مرتفعة من هذا الجليكوجين الضار، مقارنةً بحوالي ثلث الأشخاص غير المصابين.
ويُبرز هذا الفرق الواضح أهمية هذا المؤشر، إذ قد يُستخدم مستقبلًا للمساعدة في الكشف المبكر عن المرض أو تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة.
لماذا يُصاب البعض دون غيرهم؟ الجينات ليست وحدها السبب!
سلّطت الدراسة الضوء على طفرة جينية تُعرف باسم C90RF72، وهي من أكثر الأسباب الوراثية شيوعًا المرتبطة بهذه الأمراض. لكن المثير أن ليس كل من يحمل هذه الطفرة يُصاب بالمرض، ما دفع العلماء للبحث عن عامل إضافي يفسّر هذا الاختلاف.
وتشير النتائج إلى أن بكتيريا الأمعاء قد تكون هذا العامل الخفي، إذ قد تعمل كمحفّز بيئي يحدد ما إذا كان المرض سيظهر لدى بعض الأشخاص المعرّضين وراثيًا أم لا.
هل يبدأ علاج أمراض الدماغ من الأمعاء؟ نتائج تفتح الأمل
في خطوة تقرّب هذا الاكتشاف من التطبيق العملي، نجح الباحثون في التجارب المخبرية في خفض مستويات هذه السكريات الضارّة، وهو ما ارتبط بتحسّن في صحة الدماغ وزيادة في العمر ضمن النماذج المدروسة. ويرى الفريق أن هذه النتائج قد تمهّد لتطوير علاجات جديدة تركز على الأمعاء بدلًا من استهداف الدماغ بشكل مباشر.
كما أشار الباحثون إلى احتمال بدء تجارب سريرية خلال العام المقبل، بهدف اختبار ما إذا كان تقليل هذه المواد لدى المرضى يمكن أن يبطئ تطوّر المرض.
نصيحة الطبي
في النهاية، قد لا تكون الأمعاء مجرد عضو هضمي، بل نقطة انطلاق محتملة لأمراض معقّدة كنا نظن أنها تبدأ من الدماغ نفسه. هذا الاكتشاف يعيد رسم خريطة فهمنا للعلاقة بين الجسم والعقل، ويطرح سؤالًا جديدًا: هل يمكن أن يكون مفتاح علاج أمراض الدماغ موجودًا في مكان لم نلتفت إليه من قبل؟ ومع استمرار الأبحاث، قد يصبح الاهتمام بصحة الأمعاء خطوة أساسية ليس فقط للهضم، بل لحماية الدماغ أيضًا في تحول قد يغيّر مستقبل التشخيص والعلاج بالكامل.