ماذا لو أصبح بالإمكان تقليل خطر الإصابة بسرطان الثدي بعلاج أكثر تحمّلًا وآثار جانبية أقل؟ هذا ما تحاول دراسة جديدة تحقيقه، بعدما كشفت نتائج واعدة لدواء قد يساعد في خفض كثافة الثدي، وهي إحدى العلامات المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي وصعوبة اكتشافه مبكرًا. فهل يمهّد هذا العلاج الطريق لمرحلة جديدة في الوقاية من سرطان الثدي؟
كثافة الثدي المرتفعة.. تحدٍ جديد في الوقاية من السرطان
تُعد كثافة الثدي المرتفعة من العوامل التي ترتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي، كما أنها قد تجعل اكتشاف الأورام عبر تصوير الماموغرام أكثر صعوبة؛ إذ يمكن للأنسجة الكثيفة أن تخفي بعض التغيرات غير الطبيعية داخل الثدي. وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف النساء فوق سن الأربعين يمتلكن درجات متفاوتة من كثافة الثدي.
لذلك، يواصل الباحثون البحث عن وسائل آمنة وفعالة تساعد في تقليل كثافة الثدي، على أمل أن تسهم هذه الخطوة مستقبلًا في خفض خطر الإصابة بسرطان الثدي وتحسين فرص اكتشافه مبكرًا.
دراسة سويدية تكشف علاجًا جديدًا لتقليل كثافة الثدي
أُجريت الدراسة الجديدة، المعروفة باسم KARISMA-Endoxifen، على يد باحثين في السويد ونُشرت في Journal of the National Cancer Institute، وشملت 240 امرأة سليمة تتراوح أعمارهن بين 40- 55 عامًا، جميعهن في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث ويعانين من كثافة ملحوظة في أنسجة الثدي.
واختيرت المشاركات من برنامج الفحص الوطني لسرطان الثدي في السويد خلال الفترة بين عامي 2021- 2023، ثم وُزعن عشوائيًا إلى ثلاث مجموعات: مجموعة تلقت دواءً وهميًا، وأخرى تناولت جرعة يومية مقدارها 1 ملغ من الإندوكسيفين، بينما حصلت المجموعة الثالثة على 2 ملغ يوميًا من الدواء نفسه.
واستمرت التجربة لمدة 6 أشهر، مع متابعة دقيقة للتغيرات في كثافة الثدي ورصد أي آثار جانبية محتملة للعلاج.
جرعات صغيرة تحقق تأثيرًا كبيرًا على كثافة الثدي
أظهرت نتائج الدراسة أن الجرعات المنخفضة من الإندوكسيفين ساهمت في تقليل كثافة الثدي بشكل ملحوظ مقارنة بالدواء الوهمي. فقد سجلت النساء اللواتي تناولن جرعة 1 ملغ يوميًا انخفاضًا في كثافة الثدي بنسبة 19.3%، بينما ارتفعت نسبة الانخفاض إلى 26.5% لدى النساء اللواتي تناولن 2 ملغ يوميًا.
واللافت أن هذه النتائج جاءت قريبة من التأثير المعروف لجرعات التاموكسيفين التقليدية الأعلى، رغم استخدام جرعات أقل بكثير من الإندوكسيفين.
ويرى الباحثون أن تقليل كثافة الثدي قد يرتبط مستقبلًا بخفض خطر الإصابة بسرطان الثدي، إلا أن الدراسة الحالية لم تُصمم لإثبات الوقاية المباشرة من المرض، مما يعني أن الأمر لا يزال بحاجة إلى مزيد من الأبحاث طويلة المدى.
آثار جانبية أقل.. الميزة التي قد تغيّر مستقبل الوقاية من سرطان الثدي
رغم أن دواء التاموكسيفين يُعد من العلاجات المعروفة لتقليل خطر الإصابة بسرطان الثدي، فإن العديد من النساء يجدن صعوبة في الاستمرار باستخدامه بسبب آثاره الجانبية المزعجة، مثل الهبّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية، وآلام الجسم.
لكن النتائج الجديدة أظهرت أن الجرعات المنخفضة من الإندوكسيفين، خاصة جرعة 1 ملغ يوميًا، كانت أكثر تحمّلًا وارتبطت بآثار جانبية أقل مقارنة بالعلاجات الوقائية التقليدية المستخدمة حاليًا.
كما لم يرصد الباحثون أي تغيرات خطيرة في تحاليل الدم أو المؤشرات الحيوية لدى المشاركات، وهو ما اعتُبر مؤشرًا أوليًا مطمئنًا بشأن سلامة العلاج وإمكانية استخدامه مستقبلًا بشكل أوسع.
علاج جديد يفتح الباب أمام جيل مختلف من أدوية الوقاية
رغم النتائج المشجعة التي أظهرتها الدراسة، يؤكد الباحثون أن العلاج لا يزال في مراحله البحثية المبكرة، وأن هناك حاجة إلى تجارب أوسع ولمدد أطول للتأكد مما إذا كان الإندوكسيفين قادرًا بالفعل على خفض معدلات الإصابة بسرطان الثدي، وليس فقط تقليل كثافة الثدي المرتبطة بالخطر.
ومع ذلك، يرى عدد من الخبراء أن هذه النتائج قد تمثل خطوة مهمة نحو تطوير جيل جديد من العلاجات الوقائية، يهدف إلى تحقيق توازن أفضل بين الفعالية وتقليل الآثار الجانبية، بما يساعد على تحسين جودة حياة النساء المعرضات لخطر الإصابة بالمرض.
نصيحة الطبي
تشير الدراسة الجديدة إلى أن الجرعات المنخفضة من دواء الإندوكسيفين قد توفر وسيلة واعدة لتقليل كثافة الثدي، وهو عامل يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي، مع آثار جانبية أقل مقارنة بالعلاجات الوقائية التقليدية. ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا قبل اعتماد العلاج على نطاق واسع، فإن النتائج الحالية تمنح الأمل بإمكانية تطوير خيارات وقائية أكثر راحة وأفضل تحمّلًا للنساء المعرضات لخطر الإصابة بالمرض.